مراد المغربي
من غرائب وعجائب زمان السوشيال ميديا ان قسما من الفاعلين الإعلاميين باتوا خاضعين تمام الخضوع لأمواج فيسبوك ويوتيوب، على نحو يثير الضحك والشفقة معا، فهؤلاء الذين لا يكفون عن ممارسة دور الأستاذية على رواد تلك الفضاءات، سرعان ما تجدهم مجرد صبية يتراكضون في أوحال حقولهم، بل ويكررون بغباء منقطع النظير ما تُجمله الخوارزميات وهي تستمزج القطيع، متلافية ان ثمة من يتوهم الأستاذية ومن يصيح وكفى.
فما إن حطت فاجعة طنجة، مودية بالأرواح البريئة، التي لا ناقة لها ولا جمل في كل المزايدات التي ملأت الأكوان والمجرات داخل الفناجين الموضوعة على طاولات مقاهي من يريد بجرة قلم شطب وزارة الداخلية من قائمة وزارات البلاد، فجأة عاد إلى الواجهة الحديث المصحوب بمكر مقيت عن “المقدم” و”القايد” و”الباشا” و”الوالي”، وكأن من يتحدثون الآن ليسوا هم انفسهم الذين كالوا المديح لشالي هذه المناصب وفي نفس المدينة يوم أن دبروا بنجاح انطلاق استراتيجيا الإغلاق مع بدء تفشي فيروس كورونا، وخروج العشرات للابتهال، فلم يكن يومئذ هؤلاء بهذا السوء.
أليس من الممكن أن حملات من هذا النوع تريد ان تصرف نظرنا عن شيء مهم؟، عن مسؤول حقيقي عما حدث ويحدث؟، أليس من الحري بنا أن نبحث وراء كل حادث عن المسؤول المرتبطة مسؤوليته مباشرة بطبيعة النشاط الذي تسبب في الكارثة؟، فطرح الأسئلة والمضي في البحث عن الأجوبة على هذا النحو، من شأنه، ربما، أن يميط اللثام عن الجاني الحقيقي.
من الذي ينبغي أن يسائل المشغلين عن ظروف الإنتاج، وعن التصريح بالأجراء في الصندوق الوطني للضمان الاجتماعي؟، ومن الذي ينبغي أن يتابع خط الانتاج الصناعي ويرصد مداخليه ويراقب مدى الالتزام بقوانين الإنتاج الصناعي؟، هل وزارة الداخلية واعوانها؟، أم وزارة وزارة الصناعة والتجارة والاقتصاد الأخضر والرقمي، ومديرية الضرائب، ومفتشو الشغل؟، لماذا تجري الحملة على الداخلية والسلطات المحلية واعوانهما بزعم أنهم لم يكتشفوا أن ثمة معملا سريا؟، في حين أن النقابات العمالية وممثلي الاجراء وحتى الإعلام المحلي والوطني مسؤول عن كشف مثل هذه الأماكن؟.
يبدو أن ثمة من يريد ان يُلبس للداخلية كل مشاكل البلاد، وإننا نسمح صوتا خافتا في طنجة يسعى كعادته دائما إلى تحريك أي حنق عفوي جراء أي حادث لا مرغوب، إلى أجندة ومشروع سياسي، قوامه ثأر بائت من المؤسسة الأمنية المغربية، وإلا فإنه بالاحرى ومن الاجدى ان يُترك الموضوع للتحقيق القضائي الذي من شأنه وحده وبادواته أن يحدد المسؤوليات ويرتب الجزاءات بدل حديث من لا يعلم فيما لا يدري.
أم أنه على الأرجح ينبغي للداخلية أن تترك كل مشاغلها في مدينة هي جسر شبكات الهجرة السرية والتهريب، وتتخلف عن مسؤولياتها العظيمة التي جعلت منها صماما لأمان منطقة حوض البحر الأبيض المتوسط، وتقوم بدور الحكومة بأكملها وقطاعاتها الوارية الملأى بالموظفين، ومتى ما حصل أي مكروه لأي مواطن لا سمح الله تكون الداخلية في مرمى نيران الحاقدين والجهلة.
هل يريد هؤلاء أن نلغي كل الوزارات وتضطلع الداخلية وحدها بكل شيء؟، أم أن كل الحديث عن الشركاء المتعددين في تدبير الشأن العام من حكومة وسلطات ومجتمع مدني ونقابات وأحزاب وإعلام مجرد إنشاء نسمعه كما نسمع الطرب الأندلسي في صباحات الأعياد ونحن نحتسي أطباق الحساء؟، ثم لماذا هذا الإصرار الغريب على تسجيل هذه الفاجعة الأليمة في سجل شخص واحد هو والي الجهة، وطمس كل سجل نجاحاته التي وقت البلاد والعباد آلاف الكوراث التي كان يمكن أن تحدث؟.
إن من يربطون اليوم بين نجاحات الأمن المغربي في الكشف الاستباقي للأعمال الإرهابية، وبين الفواجع والتوازن من نوع فاجعة عمال طنجة، هم انفسهم من يهرعون إلى التشكيك في كل عملية إحباط لمخطط إرهابي بالقول إنه مجرد “تمثيلية للإلهاء”، وحينما يحدث أي هجوم إرهابي لا سمح الله، تجدهم هم انفسهم يتحدثون عن تقصير الأمن في إحباط تلك العمليات.
خلاصة القول، الداخلية المغربية هي ورش مفتوح للتطوير، وهي مؤسسة تقوم بعملها بكل تفاني وعلى مدار الساعة، وليس في هذا أي طعن في عمل المؤسسات الأخرى، لكن أن يحدث ما لم يكن في الحسبان، وأن يخادع الناس القانون والمؤسسات فهذا وارد جدا وفي كل دول العالم، والمنطقي عند حدوث الفواجع المؤلمة أن نتظافر اكثر ونترك القانون والقضاء يأخذان مجراهما، ثم ننخرط في لحظة تفكير عميقة من أجل تحفيز جامعاتنا ومختبراتنا البحثية لكي تنتج لنا ولو ربع خطة قابلة للتطبيق لاستباق حدوث المخاطر أو حتى تدبير ما بعد حدوثها بالكاد، بدل الانخراط في كلام عدمي لا طائل من ورائه.