السعيد: النص الدستوري نقل المغرب نحو برلمانية أوسع.. لكن الممارسة السياسية لم تواكب التحول

حسين العياشي
منذ الخطاب الملكي لـ 9 مارس 2011، دخل المغرب مرحلة دستورية جديدة وُصفت آنذاك بأنها واحدة من أهم لحظات التحول السياسي في تاريخه المعاصر. فقد جاء دستور 2011 محمّلاً بوعود كبيرة بإعادة تنظيم السلط، وتعزيز موقع المؤسسات المنتخبة، وإرساء توازن مؤسساتي أقرب إلى منطق الأنظمة البرلمانية. غير أن مرور خمسة عشر عاماً على هذا التحول يطرح اليوم سؤال الحصيلة: إلى أي حد نجح هذا الدستور في ترجمة فلسفته الإصلاحية على أرض الواقع؟ وهل استطاعت الممارسة السياسية مواكبة السقف الذي رسمه النص الدستوري؟
في قراءة تحليلية لهذا المسار، قدم أمين السعيد، أستاذ القانون الدستوري والعلوم السياسية بجامعة سيدي محمد بن عبد الله بفاس، تقييماً لمسار تطبيق الدستور بعد أكثر من عقد من دخوله حيز التنفيذ، معتبراً أن النص الدستوري حمل بالفعل تحولات عميقة في هندسة النظام السياسي، غير أن الممارسة كشفت في المقابل عن فجوة واضحة بين النص وروح التطبيق.
دستور 2011.. لحظة تحول من مركزية السلطة إلى منطق التوازن
في تصريحه لـ”إعلام تيفي“، يؤكد أمين السعيد أن دستور 2011 شكل محطة مفصلية في مسار تطور النظام السياسي المغربي، إذ قام على مرتكزات جديدة تسعى إلى ترسيخ مبدأ فصل السلط وتوازنها وتعاونها، كما ينص على ذلك الفصل الأول من الدستور. وبحسب السعيد، فإن هذا التحول لم يكن مجرد تعديل تقني في النصوص، بل جاء محملاً بفلسفة دستورية جديدة تهدف إلى إعادة تنظيم السلطة وتوزيع الاختصاصات بين المؤسسات.
ويضيف المتحدث أن الهندسة الدستورية الجديدة حاولت الانتقال من نموذج كان يميل إلى تمركز السلطة داخل المؤسسة الملكية إلى نموذج يسعى، على مستوى الفلسفة الدستورية، إلى تعزيز الطابع البرلماني للنظام السياسي وتقوية موقع المؤسسات التمثيلية داخل المعادلة السياسية.
المنهجية الديمقراطية وتعزيز شرعية رئيس الحكومة
من بين أبرز التحولات التي حملها الدستور، يبرز السعيد دسترة ما يعرف بالمنهجية الديمقراطية، حيث أصبح تعيين رئيس الحكومة يتم من الحزب السياسي الذي يتصدر انتخابات أعضاء مجلس النواب. ويعتبر أن هذا المقتضى شكل آنذاك مؤشراً قوياً على النزوع نحو تقوية البعد البرلماني للنظام السياسي، إذ أصبحت شرعية رئيس الحكومة مرتبطة مباشرة بالإرادة الشعبية المعبر عنها عبر صناديق الاقتراع، بعدما كانت مرتبطة في الدساتير السابقة بمنطق التعيين الملكي الواسع.
إعادة تنظيم السلطة التنفيذية بين مجلسين
يرى السعيد أن دستور 2011 أعاد أيضاً تنظيم السلطة التنفيذية عبر تكريس نوع من الثنائية داخلها، حيث أصبح الجهاز التنفيذي موزعاً بين المجلس الوزاري الذي يرأسه الملك ويتداول في القضايا الاستراتيجية الكبرى للدولة، ومجلس الحكومة الذي يرأسه رئيس الحكومة ويتولى تنسيق العمل الحكومي والتداول في السياسات العمومية والقطاعية.
وبحسب تحليله، فإن هذا التقسيم يعكس محاولة لإرساء توزيع وظيفي للاختصاصات داخل السلطة التنفيذية بما يحقق نوعاً من التوازن في تدبير الشأن العام.
تعديل سلطة الإعفاء وتعزيز موقع رئيس الحكومة
وفي السياق نفسه، يشير السعيد إلى أن سلطة الإعفاء الملكي لأعضاء الحكومة شهدت بدورها تعديلاً مهماً، إذ لم يعد الملك يمارس هذا الاختصاص بشكل منفرد كما كان عليه الأمر في بعض الدساتير السابقة، بل أصبح يتم بمبادرة من رئيس الحكومة أو بعد استشارته وفق مقتضيات الفصل 47. معتبرًا أن هذا التطور يعكس، من الناحية الدستورية، توجهاً نحو تعزيز موقع رئيس الحكومة داخل البنية التنفيذية وربط عمل الحكومة بشكل أوثق بالشرعية البرلمانية.
برلمان بصلاحيات أوسع ومجال تشريعي أكبر
على المستوى التشريعي، يؤكد السعيد أن دستور 2011 عزز مكانة البرلمان باعتباره المؤسسة التي تمارس السلطة التشريعية، كما وسع مجال القانون بشكل ملحوظ؛ كما يوضح أن عدد المجالات التي يختص البرلمان بالتشريع فيها ارتفع من نحو ثلاثين مجالاً في الدساتير السابقة إلى أكثر من ستين مجالاً في دستور 2011، وهو ما وسع نظرياً من نطاق تدخل السلطة التشريعية في صناعة القواعد القانونية.
كما أن الدستور، وفق ما أبرز المتحدث، قد كرس مبدأ المسؤولية السياسية للحكومة أمام مجلس النواب، حيث لا تعتبر الحكومة منصبة إلا بعد حصولها على ثقة المجلس بناء على تصويت الأغلبية المطلقة على برنامجها الحكومي، وهو ما يعكس، في نظره، توجهاً واضحاً نحو ترسيخ منطق النظام البرلماني.
آلية التوقيع بالعطف ومأسسة المعارضة البرلمانية
من بين المقتضيات التي عززت موقع رئيس الحكومة، يذكر السعيد آلية التوقيع بالعطف على عدد من الظهائر الملكية، وهي تقنية دستورية معروفة في الأنظمة البرلمانية تعكس مبدأ تقاسم المسؤولية السياسية عن بعض القرارات التنفيذية والتشريعية.
كما يشير إلى أن دستور 2011 منح وضعاً دستورياً خاصاً للمعارضة البرلمانية، بما يمكنها من الاضطلاع بدورها الرقابي داخل المؤسسة التشريعية، من خلال تمكينها من رئاسة بعض اللجان والمشاركة في تدبير العمل البرلماني ومراقبة العمل الحكومي، في خطوة هدفت إلى تكريس معارضة مؤسساتية داخل النسق البرلماني.
فجوة بين النص الدستوري والممارسة السياسية
غير أن أمين السعيد يسجل، في المقابل، وجود فجوة واضحة بين النص الدستوري المتقدم والممارسة السياسية الفعلية خلال العقد الأخير. ويرجع ذلك، بحسب تحليله، إلى عدة عوامل من بينها ضعف الثقافة الدستورية لدى جزء من الفاعلين السياسيين، واستمرار بعض الممارسات التي تعيد إنتاج منطق ما قبل 2011.
ويضيف أن الأحزاب السياسية تعاني من ضعف واضح في إنتاج نخب سياسية قادرة على الدفاع عن المقتضيات المتقدمة للدستور وتفعيلها في الممارسة، وهو ما انعكس على أداء الحكومات المتعاقبة، خصوصاً خلال الولايتين التشريعيتين التاسعة والعاشرة.
ثقافة الولاء المؤسساتي وتردد رؤساء الحكومات
في هذا السياق، يوضح الاستاذ الجامعي أن التجربة السياسية أظهرت ما يشبه ثقافة الولاء المؤسساتي لدى بعض رؤساء الحكومات، إذ غالباً ما يمتنع رئيس الحكومة عن ممارسة كامل صلاحياته الدستورية، بدافع الحرص على عدم المساس بمجالات ينظر إليها تقليدياً باعتبارها مرتبطة بالمؤسسة الملكية. مضيفًا، أن هذا التوجه يجعل بعض رؤساء الحكومات يفضلون بناء علاقة ثقة سياسية مع المؤسسة الملكية على حساب التفعيل الكامل لصلاحياتهم الدستورية.
قيود قانونية تحد من روح الإصلاح
كما يتحدث السعيد عن ظاهرة أخرى وصفها بالتقييد عبر القواعد القانونية، حيث اتجهت بعض القوانين التنظيمية والأنظمة الداخلية لمجلسي البرلمان إلى إدخال قيود إجرائية معقدة حدت من الإمكانات التي أتاحها الدستور، وهو ما أدى في بعض الحالات إلى تقليص أثر الروح الإصلاحية التي جاء بها خطاب التاسع من مارس.
اختلال نسبي في الثنائية التنفيذية
وفي قراءته لتوازن السلطة التنفيذية، يرى السعيد أن الممارسة أبانت عن اختلال نسبي في هذه الثنائية، إذ ظل المجلس الوزاري الذي يرأسه الملك يمثل المؤسسة التقريرية الأساسية في القضايا الاستراتيجية والتعيينات في المناصب العليا، رغم الاختصاصات المهمة التي منحها الدستور لمجلس الحكومة في مجال إعداد السياسات العمومية وتنسيق العمل الحكومي.
هيمنة الحكومة على المبادرة التشريعية
أما على المستوى التشريعي، فيشير السعيد إلى أن البرلمان لم ينجح بعد في التحول إلى المصدر الأساسي للتشريع، إذ تظهر المعطيات الإحصائية أن حوالي 93 في المائة من القوانين المصادق عليها هي مشاريع قوانين حكومية، مقابل نحو 7 في المائة فقط من مقترحات القوانين البرلمانية.
ويعكس هذا الوضع، بحسب تحليله، استمرار هيمنة الحكومة على المبادرة التشريعية رغم التوسيع الذي عرفه مجال القانون في دستور 2011.
رقابة برلمانية محدودة التأثير
كما يسجل السعيد أن العديد من الآليات الرقابية التي يتيحها الدستور لمجلس النواب لم تحقق الفعالية المنتظرة، إذ يتم في كثير من الأحيان التعامل مع الأسئلة البرلمانية بشكل شكلي، سواء عبر التأخر في الإجابة أو تقديم ردود عامة لا تعكس روح المساءلة السياسية.
ويضيف أن هذا الواقع يجعل البرلمان يتحول أحياناً إلى فضاء للتعبير عن المطالب الاجتماعية أكثر من كونه مؤسسة قادرة على التأثير الفعلي في السياسات العمومية.
تراجع صورة المؤسسة البرلمانية
يشير المتحدّث أيضاً إلى أن صورة البرلمان لدى الرأي العام تأثرت بعدد من الظواهر التي ساهمت في إضعاف الثقة فيه، من بينها ارتفاع نسب غياب البرلمانيين عن الجلسات واللجان، وظهور ما يوصف بظاهرة “الكائنات الانتخابية”، إضافة إلى المتابعات القضائية التي طالت بعض المنتخبين.
تعثر آلية تقييم السياسات العمومية
وفي ما يتعلق بآلية تقييم السياسات العمومية، التي تعد من الاختصاصات الجديدة التي جاء بها دستور 2011، يرى السعيد أنها لم تحقق بعد فعاليتها الكاملة، إذ لم يستوعب الفاعلون البرلمانيون بعد الإمكانات التي تتيحها هذه الآلية، وهو ما انعكس في ضعف الحضور والمشاركة في الجلسات المخصصة لها.
معارضة برلمانية مشتتة
أما بخصوص المعارضة البرلمانية، فيؤكد السعيد أنه رغم الاعتراف الدستوري بمكانتها وحقوقها، فإن الممارسة كشفت عن صعوبات موضوعية في تشكل معارضة قوية ومتماسكة، سواء بسبب أساليب تدبير الأغلبية للعمل داخل اللجان أو نتيجة تشتت المعارضة الحزبية، وهو ما أدى إلى نوع من البلقنة السياسية المرتبطة أيضاً بطبيعة نمط الاقتراع.
مفارقة النص المتقدم والممارسة المحدودة
وفي المحصلة، يخلص أمين السعيد إلى أن التجربة الدستورية المغربية منذ 2011 تكشف عن مفارقة واضحة: تقدم مهم على مستوى النصوص والهندسة الدستورية يقابله تفعيل جزئي ومتذبذب على مستوى الممارسة السياسية.
كما يعتبر أن تطور الطابع البرلماني للنظام السياسي المغربي يظل مساراً تدريجياً لا يزال في طور التشكل، وسيبقى رهيناً بقدرة الفاعلين السياسيين والأحزاب على تجديد الحياة السياسية وتفعيل الإمكانات التي يتيحها دستور 2011.
وفي ضوء هذه القراءة، يخلص أمين السعيد إلى أن التجربة الدستورية المغربية منذ 2011 تعكس مفارقة لافتة: نص دستوري متقدم أعاد صياغة هندسة النظام السياسي وفتح آفاقاً أوسع لتقوية المؤسسات التمثيلية، مقابل ممارسة سياسية لم تستوعب بعد بالكامل الإمكانات التي يتيحها هذا الإطار الدستوري. فبين طموح الإصلاح وروتين الممارسة، ما يزال مسار ترسيخ الطابع البرلماني للنظام السياسي يسير بوتيرة تدريجية وحذرة.
وهو مسار، كما يؤكد السعيد، لن يكتمل إلا بقدرة الفاعلين السياسيين والأحزاب على تطوير ثقافة دستورية جديدة، وتجديد نخبها، والانخراط الفعلي في تفعيل روح دستور 2011 بما ينسجم مع التحول المؤسساتي الذي دشّنه خطاب التاسع من مارس.





