الأزمات الجيوسياسية تختبر نموذج الطاقة المغربي.. أي موقع لمشروع الناظور؟

أميمة حدري 

تعود الأزمات الجيوسياسية، في كل مرة، لتضع النموذج الطاقي المغربي تحت مجهر الاختبار، كاشفة عن بنية هشة تحكمها تبعية شبه كلية للأسواق الخارجية، وتجعل من أي اضطراب دولي شرارة سريعة الانتقال إلى الداخل، تلهب أسعار المحروقات وتثقل كلفة الإنتاج والمعيش اليومي.

المغرب، باعتباره بلدا مستوردا للطاقة، يجد نفسه في موقع المتلقي لتقلبات لا يملك أدوات التحكم فيها، حيث تتداخل العوامل الجيوسياسية مع ديناميات السوق العالمية لتفرض إيقاعها على الاقتصاد الوطني.

ومن مضيق هرمز إلى شرق أوروبا، ومن اضطرابات سلاسل التوريد إلى تحولات خريطة الغاز، تتكرر المشاهد ذاتها، ارتفاع سريع في الأسعار، وضغط متزايد على القدرة الشرائية، وانعكاسات مباشرة على تنافسية القطاعات الإنتاجية.

ضمن هذا الأفق الملبد بالتقلبات، يبرز مشروع محطة الغاز الطبيعي المسال بالناظور “غرب المتوسط”  كخيار استراتيجي يسعى إلى إعادة ترتيب معادلة الطاقة، لا من خلال القطع مع التبعية، بل عبر إعادة توزيعها وتقليص حدتها. فالمشروع، في جوهره، لا يعد بالاستقلال الطاقي بقدر ما يقترح انتقالا محسوبا نحو تنويع مصادر التزود، بما يتيح للمغرب هامشا أوسع للتحرك داخل سوق دولية متغيرة.

وتكمن دلالة هذا التوجه في كونه يؤسس لمنطق جديد قوامه المرونة بدل الارتهان، والتعدد بدل الأحادية، حيث يفتح الغاز الطبيعي المسال الباب أمام خيارات أوسع في التعاقد والتوريد، ويمنح الفاعل العمومي قدرة أكبر على التكيّف مع تقلبات الأسعار.

كما أن استقرار كلفة الغاز نسبيا مقارنة بالنفط يمنح الاقتصاد نوعا من “الوسادة الواقية”، التي تخفف من حدة الصدمات وتمنح الفاعلين الاقتصاديين رؤية أوضح على المدى المتوسط.

غير أن هذا التحول، على أهميته، لا يخلو من مفارقات. فالانتقال نحو الغاز، وإن كان يمثل خطوة في اتجاه تخفيف الضغط، يظل بدوره رهينا بتقلبات السوق العالمية وبالتوازنات الجيوسياسية التي تتحكم في تدفقات هذه المادة الحيوية. وهو ما يعني أن الرهان الحقيقي لا يكمن فقط في تغيير مصدر الطاقة، بل في بناء منظومة متكاملة قادرة على استيعاب الصدمات وتقليص آثارها.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى