إصرار المواطنين على إلغاء الساعة الإضافية يفتح الباب أمام تفعيل الديمقراطية التشاركية

أميمة حدري 

تجاوز إصرار المواطنين على إلغاء الساعة الإضافية في المغرب كل التوقعات، مع بلوغ عدد الموقعين على العريضة الإلكترونية المطالبة بالعودة إلى التوقيت القانوني أكثر من عشرين ألف توقيع، ما جعل هذا الملف يطفو على واجهة النقاش العام ويصل إلى المسار المؤسساتي مباشرة، مسلطا الضوء على تفاعل المجتمع المدني مع قضايا تمس حياته اليومية بشكل مباشر.

العريضة، التي صدرت تحت عنوان “نريد العودة إلى التوقيت الطبيعي”، لا تقتصر على مجرد جمع توقيعات، بل تمثل تجسيدا عمليا لمقتضيات الفصل 15 من دستور 2011، الذي يتيح للمواطنين ممارسة الديمقراطية التشاركية عبر تقدين عرائض إلى السلطات العمومية، في إطار الديمقراطية التشاركية، ويحدد قانون تنظيمي خاص شروط وكيفيات ممارسة هذا الحق، الذي يعد آلية أساسية للمشاركة في تدبير الشأن العام والسياسات العمومية.

وكشفن الحركة الشعبية المنظمة حول هذا الملف عن حجم الاحتقان الاجتماعي المرتبط بالساعة الإضافية، حيث أثبتت الدراسات والتقارير أن تغيير التوقيت السنوي يترتب عليه إرهاق جسدي وضغط نفسي متزايد يؤثر على جودة الحياة اليومية للمواطنين وعلى إنتاجيتهم في العمل والدراسة، مما جعل المسألة أكثر من مجرد تغيير رسمي للساعة، بل قضية ذات أبعاد صحية واجتماعية عميقة تتطلب التدخل المؤسساتي.

وتجاوز العتبة القانونية للتوقيعات يجعل من الضروري على الجهات المعنية، سواء كانت حكومية أو مؤسساتية، تفعيل المساطر القانونية التي تشمل تشكيل لجنة مختصة للنظر في مدى استيفاء العريضة للشروط الشكلية والموضوعية، وإتاحة المجال لإبداء الرأي الاستشاري من قبل الهيئات الاستشارية ومؤسسات الحكامة، بما يضمن أن القرار النهائي يتوافق مع القوانين ويأخذ بعين الاعتبار إرادة المواطنين بشكل فعلي.

هذه المبادرة المدنية، تعكس مدى نضج المشاركة الديمقراطية في المغرب، وتضع اختبارا حقيقيا أمام المؤسسات لمعرفة مدى قدرتها على التفاعل مع مطالب المواطنين، خصوصا في قضية تمس صحتهم النفسية والجسدية وروتين حياتهم اليومي.

الديمقراطية التشاركية، كما يظهر من هذا الملف، ليست مجرد مفهوم نظري أو آلية شكلية، بل أداة حقيقية لمراقبة السياسات العمومية ومواكبتها، تتيح للمواطنين التأثير في القرارات والتشريعات بطريقة قانونية واضحة ومحددة.

ومع اقتراب موعد العودة إلى التوقيت الصيفي، يظل الضغط الشعبي حاضرا بقوة في النقاش العام، ما يفرض على الحكومة إدراج الملف ضمن أولوياتها، واستحضار البعد الاجتماعي والصحي للساعة الإضافية عند أي قرار مستقبلي.

ويبرز هذا السياق كذلك، أهمية الدور الرقابي للمؤسسات على السياسات الحكومية، وإظهار أن مشاركة المواطنين عبر الأدوات القانونية ليست مجرد رمز شكلي، بل شرط أساسي لضمان توافق السياسات العامة مع إرادة المجتمع وتطلعاته اليومية، مما يعكس تحولا ملحوظا في العلاقة بين المواطن والمؤسسات ويعيد تعريف دور المواطن الفاعل في صياغة القرارات التي تؤثر على حياته وحياة محيطه الاجتماعي.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى