الزراعة القروية أمام مفترق طرق.. الاستمرار أم الاندثار؟

أميمة حدري
تواجه الزراعة القروية بالمغرب مرحلة دقيقة تضعها أمام مفترق طرق حقيقي بين الاستمرار والاندثار، في ظل تحولات عميقة مست البنية الاقتصادية والاجتماعية للعالم القروي، وأعادت تشكيل العلاقة التقليدية بين الإنسان والأرض.
ووفق الملاحظ، سجلت السنوات الأخيرة تراجعا ملحوظا في الاعتماد على الزراعة المعيشية، التي كانت إلى وقت قريب تشكل ركيزة أساسية للأمن الغذائي المحلي، وتضمن حدا أدنى من الاكتفاء الذاتي للأسر القروية، كما أن مساحات واسعة من الأراضي الفلاحية، رغم خصوبتها وتوفرها على شروط الإنتاج، أضحت مهملة أو مستغلة بشكل جزئي، في تحول غير مسبوق مقارنة بما كان عليه الوضع سابقا، حين كانت القرى تعتمد على إنتاجها الذاتي من الخضر والحبوب، بل وتساهم في تزويد محيطها القريب بالمواد الأساسية.
هذا التراجع ترافق مع انتقال تدريجي نحو نموذج استهلاكي قائم على التزود من الأسواق، التي تستقبل بدورها منتجات قادمة من مناطق بعيدة، ما يرفع كلفة النقل ويزيد من أسعار المواد الغذائية، ويعمق هشاشة الأسر القروية أمام تقلبات السوق.
وتعزى هذه التحولات إلى مجموعة من العوامل المتداخلة، في مقدمتها الهجرة القروية التي أفرغت الحقول من اليد العاملة، خاصة فئة الشباب، وهو ما أثر بشكل مباشر على استمرارية الأنشطة الفلاحية التقليدية. كما ساهمت محدودية الإمكانيات لدى صغار الفلاحين، وارتفاع تكاليف الإنتاج، وضعف الولوج إلى الموارد المائية، في تقليص المساحات المزروعة، مقابل غياب التأطير التقني والدعم الكافي لهذا النمط من الزراعة.
في المقابل، يبرز تأثير التوجهات العامة للسياسات الفلاحية، التي ركزت خلال السنوات الماضية على الزراعات ذات القيمة المضافة العالية والموجهة للتصدير، وهو ما أفرز اختلالا في التوازن بين الفلاحة الكبرى والفلاحة المعيشية. هذا التوجه، رغم مساهمته في تعزيز بعض المؤشرات الاقتصادية، لم يواكبه دعم كاف للزراعة الصغيرة التي تشكل العمود الفقري للنسيج القروي، وتؤدي أدوارا حيوية تتجاوز الإنتاج إلى الحفاظ على الاستقرار الاجتماعي والحد من الهجرة.
في هذا السياق، تبرز دعوات إلى إعادة الاعتبار للزراعة القروية، من خلال توجيه الدعم نحو صغار الفلاحين، وتسهيل الولوج إلى وسائل الإنتاج، وتحسين تدبير الموارد المائية، إلى جانب تشجيع التنظيمات المهنية والتعاونيات المحلية. كما يطرح خيار تطوير مقاربات فلاحية أكثر توازنا، تدمج بين متطلبات السوق والحفاظ على الإنتاج المحلي، بما يعزز صمود العالم القروي ويحد من نزيف الهجرة، ويحول دون اندثار نمط فلاحي ظل لعقود يشكل دعامة أساسية للأمن الغذائي والاستقرار الاجتماعي.





