في بلد يصدر البصل إلى أسواق خارجية ويستورده من أوروبا..الوجه المتناقض لسياسة فلاحية مختلة

بشرى عطوشي
تحليل _في الظاهر تبدو الصورة متناقضة حدّ العبث: بلد يصدّر البصل إلى أسواق إفريقية، ثم يعود ليستورده من أوروبا.
لكن خلف هذا المشهد، لا تكمن مجرد “مفارقة”، بل بنية اختلال أعمق في تدبير السياسة الفلاحية والتجارية، حيث تغيب الرؤية السيادية للغذاء لصالح منطق السوق القصير المدى، وتُختزل القرارات في معادلات الربح والخسارة الآنية دون اعتبار للأمن الغذائي أو استقرار الأسعار داخليًا.
لقد تحوّل ملف استيراد الخضر واللحوم في المغرب إلى مرآة تعكس اختلالًا مزدوجًا: من جهة، إنتاج موجّه نحو التصدير مدفوع بعقود وأسعار تفضيلية في الخارج، ومن جهة أخرى، سوق داخلية تُترك رهينة لتقلبات العرض، ما يفتح الباب أمام الاستيراد كحلّ “ترقيعي” بدل معالجة جذور الخلل.
هذا النمط لا يمكن فهمه إلا ضمن ما يمكن تسميته “اقتصاد الوساطة”، حيث يستفيد الفاعل التجاري أكثر من المنتج والمستهلك معًا.
في حالة البصل والبطاطس، لا يتعلق الأمر بندرة مطلقة في الإنتاج، بل بسوء توزيع وتوجيه. الفلاح الذي يجد في التصدير هامش ربح أكبر، لن يتردد في توجيه منتوجه نحو الخارج، خاصة في غياب آليات ضبط فعالة تُوازن بين حاجيات السوق المحلية والالتزامات التصديرية.
وهنا يظهر دور الدولة، ليس كمتفرج، بل كمنظّم يفترض فيه أن يضمن حدًا أدنى من التوازن. غير أن ما يحدث هو العكس: يتم فتح باب الاستيراد عند أول ارتفاع في الأسعار، ما يضغط على المنتج المحلي ويُربك دورات الإنتاج المستقبلية.
أما في ملف اللحوم، فالصورة أكثر تعقيدًا. فبدل الاستثمار في إعادة هيكلة القطيع الوطني وتحسين سلاسل الإنتاج، يتم اللجوء إلى الاستيراد كخيار سريع لتهدئة السوق.
هذا التوجه، وإن بدا مبررًا ظرفيًا، إلا أنه يخلق تبعية تدريجية للخارج، ويُضعف القدرة الإنتاجية المحلية على المدى المتوسط. الأخطر من ذلك أن الاستيراد لا ينعكس دائمًا بانخفاض حقيقي في الأسعار، بل يُعيد توزيع هوامش الربح داخل السلسلة، غالبًا لصالح الوسطاء.
ما يغيب في هذا النقاش هو مفهوم “السيادة الغذائية”، الذي لا يعني الانغلاق، بل القدرة على التحكم في التوازنات الأساسية للإنتاج والتوزيع. فليس من المنطقي أن يتحول بلد كان قريبًا من الاكتفاء الذاتي في بعض المواد الأساسية إلى سوق مفتوحة لتصريف فائض الآخرين، فقط لأن آليات الضبط الداخلي غير مفعّلة أو لأن القرار الاقتصادي مرتهن لضغوط لوبيات بعينها.
كما أن تعدد المتدخلين وغياب الشفافية في تحديد هوامش الربح يطرح تساؤلات حقيقية حول من يستفيد فعليًا من هذه السياسات. فالمستهلك يشتكي من الغلاء، والفلاح يشتكي من ضعف العائد، بينما تستمر بعض الشبكات في تحقيق أرباح مستقرة، سواء في التصدير أو الاستيراد.
إن إعادة التوازن لهذا القطاع لا تمر عبر قرارات ظرفية، بل عبر مراجعة عميقة لمنطق التدبير: من دعم الإنتاج الموجه للسوق الداخلية، إلى وضع آليات تخزين استراتيجية، وصولًا إلى تقنين التصدير في فترات الضغط، وربط الاستيراد بشروط دقيقة تحمي المنتج الوطني. دون ذلك، ستظل المفارقة قائمة، وسيتحول الاستثناء إلى قاعدة، ويصبح “الاستيراد رغم الوفرة” سمة بنيوية لا عرضًا عابرًا





