تعاون دفاعي متقدم مع الهند.. هل يدخل المغرب نادي مصنعي الطائرات الحربية؟

حسين العياشي
سجّل التعاون العسكري بين المغرب والهند خطوة متقدمة توحي بتحول نوعي في بنية القدرات الجوية للمملكة، مع اقتراب مجموعة (HAL) من إطلاق مشروع صناعي واعد بمدينة بنجرير، من شأنه أن يعيد رسم معالم الصناعة الجوية العسكرية الوطنية في أفق السنوات القليلة المقبلة.
هذا المشروع، الذي يرتقب أن يرى النور بالقرب من القاعدة الجوية ببنجرير، لا يقتصر على بعد تقني صرف، بل يعكس توجهاً استراتيجياً نحو بناء استقلالية تدريجية في تدبير المنظومات الدفاعية. ففي مرحلته الأولى، سيُخصص المجمع المرتقب لأعمال الصيانة المتقدمة والتحديث العميق لمقاتلات “F-16 Fighting Falcon Block 50/52” التي تشكل العمود الفقري لسلاح الجو الملكي، وهو ما من شأنه تقليص الاعتماد على الخدمات الخارجية وتحسين الجاهزية العملياتية للأسطول الجوي.
غير أن ما يمنح هذا المشروع بعده الاستراتيجي الأعمق هو طموحه للانتقال، ابتداءً من سنة 2028، إلى مرحلة أكثر تقدماً تتمثل في تجميع الطائرات المقاتلة محلياً. ويتعلق الأمر بإنتاج مقاتلات “HAL Tejas”، وهي طائرة خفيفة متعددة المهام طورتها الهند، وتراهن عليها لتعزيز حضورها في سوق الصناعات الدفاعية العالمية.
وتشير المعطيات المتداولة إلى أن المغرب يتجه نحو اقتناء 58 طائرة من هذا الطراز على شكل وحدات جاهزة للتجميع، تشمل 48 مقاتلة أحادية المقعد من نسخة “Mk1A” المجهزة برادارات “AESA” الحديثة، إلى جانب 10 طائرات ثنائية المقعد مخصصة للتدريب، مع إمكانية توسيع الصفقة لتشمل 24 وحدة إضافية. وإذا ما تم تأكيد هذه المعطيات رسمياً، فإن المغرب سيصبح أول زبون دولي لهذه المقاتلة، في خطوة تعكس توجهاً واضحاً نحو تنويع الشركاء العسكريين وتوسيع هامش المناورة الاستراتيجية.
ويأتي هذا التوجه في سياق إعادة هيكلة تدريجية للأسطول الجوي، خاصة مع اقتراب خروج مقاتلات “Dassault Mirage F1” من الخدمة، ما يفرض البحث عن بدائل حديثة تواكب التطور التكنولوجي المتسارع في مجال الطيران العسكري، وتدعم قدرات القوات الملكية الجوية على مستوى الأداء والجاهزية.
ولم يقتصر المشروع على الجانب الصناعي، بل امتد ليشمل بعداً بشرياً حاسماً، من خلال إطلاق برامج تدريب لفائدة طيارين وتقنيين مغاربة داخل الهند، بهدف اكتساب الخبرة اللازمة للتعامل مع هذا الجيل الجديد من الطائرات. ويعكس هذا التوجه وعياً متزايداً بأهمية نقل المعرفة وبناء كفاءات وطنية قادرة على مواكبة التحولات التكنولوجية في المجال الدفاعي.
وفي عمقه، يتجاوز هذا المشروع مجرد صفقة تسليح تقليدية، ليعكس إرادة واضحة في إرساء نواة صناعة جوية عسكرية وطنية، قادرة مستقبلاً على صيانة وتحديث بل وحتى إنتاج بعض مكونات المنظومات الدفاعية، بما يعزز السيادة الاستراتيجية للمملكة ويقلل من تبعيتها للخارج.
كما يندرج هذا التطور ضمن دينامية أوسع من التقارب بين الرباط ونيودلهي، في سياق دولي يشهد إعادة تشكيل للتحالفات وسلاسل التوريد، حيث تسعى الدول إلى تأمين مصالحها الاستراتيجية عبر شراكات متعددة ومتوازنة.
ورغم أن هذه المعطيات لا تزال في حاجة إلى تأكيد رسمي، فإن تحققها من شأنه أن يضع المغرب ضمن دائرة ضيقة من الدول التي تمتلك قدرات محلية في صيانة وتجميع الطائرات المقاتلة، وهو تحول نوعي قد يعيد تموقع المملكة إقليمياً ويمنحها هامشاً أكبر من الاستقلالية في تدبير أمنها الدفاعي.





