وهبي يعترف باختلالات بنيوية.. رقمنة التبرع بالأعضاء تدخل مرحلة الحسم

حسين العياشي

كشف وزير العدل، عبد اللطيف وهبي، عن توجه حكومي جديد يروم كسر حالة “الجمود الإداري” التي ظلت تطبع ملف التبرع بالأعضاء في المغرب، عبر إرساء منظومة رقمية حديثة تُعيد ترتيب العلاقة بين القضاء والمؤسسات الصحية، وتفتح أفقاً عملياً لتسريع مساطر قد يكون الزمن فيها فاصلاً بين الحياة والموت.

هذا التحرك، الذي جاء في سياق جواب برلماني، لا يكتفي بالإعلان عن إصلاح تقني، بل يحمل في طياته اعترافاً صريحاً بوجود اختلالات بنيوية ظلّت تعرقل فعالية هذا الورش الإنساني الحساس، حيث كانت المساطر التقليدية، القائمة على التراسل الورقي والتدبير المجزأ للمعطيات، تؤدي إلى هدر وقت ثمين، في لحظات يكون فيها عامل السرعة حاسماً لإنقاذ أرواح المرضى المحتاجين لعمليات زرع الأعضاء.

وفي هذا السياق، أقر وزير العدل بأن التشخيص الميداني الذي باشرته مصالح الوزارة كشف عن أعطاب عميقة في تدبير سجلات المتبرعين، على رأسها غياب قاعدة بيانات وطنية موحدة، وهو ما يجعل عملية التحقق من وضعية المتبرع معقدة وبطيئة، خاصة في حالات الوفاة الدماغية التي تتطلب تدخلاً فورياً ومتزامناً بين القرار القضائي والإجراء الطبي.

ولم يقف التشخيص عند حدود المعطيات النظرية، بل امتد إلى معاينة ميدانية شملت عدداً من المحاكم الابتدائية الأكثر تسجيلاً لطلبات التبرع، حيث برز تفاوت واضح في طرق مسك السجلات وتدبيرها داخل مصالح كتابة الضبط، إلى جانب بطء ملحوظ في إحالة الملفات بعد صدور الأوامر القضائية، وهو ما وصفه الوزير بـ”البطء القاتل” الذي يقوّض فعالية المنظومة برمتها.

أمام هذه الاختلالات، تراهن الحكومة على إحداث منصة إلكترونية مركزية تُحدث قطيعة مع الأساليب التقليدية، من خلال ربط مباشر وآني بين المحاكم والمستشفيات، بما يسمح بإرسال الإشعارات بشكل فوري فور صدور القرار القضائي، دون الحاجة إلى المساطر الإدارية المعقدة التي كانت تؤخر تنفيذ عمليات التبرع.

كما سيعتمد النظام الجديد، وفق ما كشف عنه الوزير، على آلية “الإشعار التلقائي” التي تضمن انتقال المعلومة في الزمن الحقيقي، مع إدراج خاصية تحيين المعطيات بشكل فوري في حال تراجع المتبرع عن قراره، وهي نقطة كانت تثير إشكالات قانونية وعملية في النظام السابق، بسبب بطء تحديث السجلات وتعدد مصادرها.

ويُنتظر أن تشكل هذه المنصة الرقمية، التي تعمل عليها لجنة تقنية مشتركة بين مديرية الشؤون الجنائية ومديرية التحديث، نقلة نوعية في تدبير هذا الملف، من خلال تعزيز النجاعة والسرية في معالجة المعطيات، وإنهاء الاعتماد على السجلات الورقية التي أبانت التجربة عن محدوديتها في مواكبة مقتضيات القانون 16.98 المتعلق بوهب الأعضاء البشرية.

وبين الاعتراف بوجود اختلالات عميقة والسعي إلى تجاوزها عبر الرقمنة، يضع هذا المشروع الحكومي ملف التبرع بالأعضاء أمام مرحلة جديدة، عنوانها الانتقال من منطق التدبير الإداري البطيء إلى مقاربة رقمية تستجيب لإيقاع الحالات الطبية المستعجلة، وتعيد الاعتبار لحق المرضى في العلاج في الوقت المناسب.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى