هل ينهار قطاع مراكز النداء؟ السطي يكشف الخطر القادم من أوروبا

حسين العياشي
سجّل قطاع مراكز النداء وخدمات “الأفشورينغ” بالمغرب مؤشرات قلق متصاعدة، بعد بروز تداعيات مباشرة لتشريعات أجنبية جديدة، خاصة في عدد من البلدان الأوروبية، على رأسها فرنسا، التي تتجه إلى فرض قيود أكثر صرامة على أنشطة التسويق الهاتفي، في خطوة تهدد توازن واحد من أكثر القطاعات تشغيلاً للشباب داخل الاقتصاد الوطني.
فهذا القطاع، الذي تحوّل خلال السنوات الماضية إلى رافعة أساسية لتشغيل آلاف الخريجين في مدن كبرى مثل الدار البيضاء ومراكش وطنجة وفاس ومكناس، لم يعد يواجه فقط تحديات المنافسة الدولية أو التحولات التكنولوجية، بل بات اليوم أمام ضغط تشريعي خارجي قد يعيد رسم معالمه بشكل جذري. إذ إن القيود المرتقبة على التسويق الهاتفي في الأسواق الأوروبية، التي تشكل وجهة رئيسية لخدمات “الأوفشورينغ” المغربية، تنذر بتراجع الطلب على هذا النوع من الخدمات، ما قد ينعكس بشكل مباشر على نشاط الشركات العاملة بالمغرب.
وفي خضم هذا التحول، وجّه المستشار البرلماني خالد السطي سؤالاً إلى وزير الإدماج الاقتصادي والمقاولة الصغرى والتشغيل والكفاءات، محذراً من التداعيات المحتملة لهذه التشريعات على مستقبل القطاع، خاصة في ظل هشاشة جزء من بنيته القائمة على المقاولات الصغرى والمتوسطة، التي تجد نفسها أكثر عرضة للتقلبات الخارجية وأقل قدرة على التكيف السريع مع التحولات القانونية الدولية.
ويعكس هذا التحذير مخاوف متزايدة لدى المهنيين من سيناريوهات غير مطمئنة، تبدأ بتقليص حجم الأنشطة المرتبطة بالتسويق الهاتفي، وقد تنتهي بإغلاق عدد من مراكز النداء وتسريح آلاف المستخدمين، في غياب إجراءات مواكبة أو خطط استباقية قادرة على امتصاص الصدمة. فالمشكل، في جوهره، لا يتعلق فقط بتراجع نشاط اقتصادي، بل يمتد ليطرح تحدياً اجتماعياً حقيقياً مرتبطاً بفقدان مناصب شغل تمثل بالنسبة لآلاف الشباب مصدر دخل واستقرار.
وفي هذا السياق، يطرح السؤال البرلماني إشكالية جاهزية السياسات العمومية لمواكبة التحولات التي تفرضها البيئة الدولية على قطاعات مرتبطة بالخدمات العابرة للحدود. إذ لم يعد كافياً الاعتماد على جاذبية التكلفة أو القرب الجغرافي من الأسواق الأوروبية، بل أصبح من الضروري تطوير نماذج اشتغال أكثر تنوعاً ومرونة، قادرة على التكيف مع القوانين الجديدة وضمان استدامة النشاط.
كما يسلط السؤال الضوء على الحاجة إلى بلورة خطة استعجالية لحماية مناصب الشغل المهددة، خاصة في صفوف الشباب، عبر اعتماد إجراءات عملية لدعم المقاولات العاملة في القطاع وتمكينها من إعادة توجيه أنشطتها نحو مجالات أقل تأثراً بالقيود التشريعية، مثل خدمات الدعم التقني، وتدبير العلاقات مع الزبناء، والخدمات الرقمية ذات القيمة المضافة.
ولا يقف الرهان عند حدود إنقاذ الوضع القائم، بل يتجاوز ذلك إلى ضرورة إعادة هيكلة القطاع برمته، بما يضمن انتقاله من نموذج يعتمد بشكل كبير على التسويق الهاتفي إلى نموذج أكثر تنوعاً واستدامة، يحترم في الآن ذاته حقوق الأجراء ويعزز تنافسية المقاولات المغربية في سوق دولية تزداد تعقيداً.
وفي موازاة ذلك، يفرض هذا التحول التفكير في إجراءات اجتماعية مرافقة للتخفيف من آثار أي فقدان محتمل لمناصب الشغل، سواء من خلال برامج إعادة التأهيل والتكوين، أو عبر آليات دعم مرحلية تضمن الحد الأدنى من الاستقرار للفئات المتضررة، في انتظار إعادة إدماجها داخل سوق الشغل.
وبين ضغط التشريعات الأجنبية وحدود الاستجابة الوطنية، يجد قطاع مراكز النداء نفسه أمام منعطف حاسم، حيث لم يعد السؤال يتعلق فقط بكيفية مواجهة الأزمة، بل بكيفية تحويلها إلى فرصة لإعادة بناء نموذج أكثر صلابة وقدرة على الصمود في وجه التحولات المتسارعة للاقتصاد العالمي.





