استيراد المغرب للحوم الحمراء ..غياب أثر على الأسعار بالسوق والمتهم الأول حلقات الوساطة

بشرى عطوشي

تقرير _يثير استمرار استيراد اللحوم الحمراء من الخارج في المغرب نقاشاً واسعاً حول مدى فعاليته في تحقيق الهدف المعلن المتمثل في تخفيف الضغط على الأسعار داخل السوق الوطنية. فرغم الإجراءات المتخذة لتأمين العرض وتفادي النقص، لا تزال الأسعار في الأسواق المحلية تسجل مستويات مرتفعة، ما يطرح أكثر من علامة استفهام حول آليات التوازن بين الاستيراد وضبط السوق الداخلية.

من الناحية الاقتصادية، يفترض أن يؤدي اللجوء إلى الاستيراد إلى زيادة العرض وبالتالي الضغط نحو خفض الأسعار أو على الأقل تثبيتها.

غير أن الواقع يظهر أن هذا الأثر لا يتحقق دائماً بالشكل المتوقع، وهو ما يفتح النقاش حول وجود اختلالات في سلسلة التوزيع، أو ارتفاع كلفة الاستيراد، أو استمرار حلقات الوساطة التي تستهلك جزءاً كبيراً من القيمة المضافة بين الاستيراد ووصول المنتج إلى المستهلك النهائي.

كما أن تكاليف النقل والتبريد والرسوم الجمركية، إضافة إلى تقلبات أسعار السوق الدولية، قد تحدّ من قدرة الاستيراد على إحداث أثر مباشر وسريع على الأسعار الداخلية. وفي بعض الحالات، يتم توجيه الكميات المستوردة نحو قنوات توزيع محددة، مما يقلل من تأثيرها على السوق الواسعة ويحدّ من انعكاسها على القدرة الشرائية للمواطنين.

من جهة أخرى، يظل قطاع تربية المواشي المحلي أحد العوامل البنيوية المؤثرة في تحديد الأسعار، حيث تواجهه تحديات مرتبطة بتكلفة الأعلاف، وتغيرات المناخ، والضغط على الموارد المائية، وهو ما ينعكس بدوره على حجم العرض المحلي وقدرته على المنافسة.

غير أن استمرار ارتفاع الأسعار رغم الاستيراد يطرح سؤالاً مركزياً حول فعالية السياسات العمومية المعتمدة في تدبير هذا الملف، ومدى وجود آليات صارمة لضبط سلاسل التسويق ومحاربة المضاربة والاحتكار التي قد تعمّق الفجوة بين السعر عند المصدر وسعر البيع للمستهلك.

تجاوز معضلة نقص القطيع في المغرب لا يرتبط فقط بعامل الجفاف، رغم تأثيره الواضح، بل يكشف عن اختلالات بنيوية في تدبير قطاع تربية المواشي.

فرغم اللجوء إلى إجراءات تحفيزية، من بينها تقليص بعض الرسوم وإعفاء المستوردين من التزامات معينة لتأمين السوق، فإن هذه التدابير لم تُواكب بسياسات موازية كفيلة بإعادة بناء القطيع الوطني بشكل مستدام.

في المقابل، تعتمد الدول المصدّرة للحوم على منظومات إنتاج مهيكلة تقوم على دعم مباشر للمربين، وتأمين الأعلاف بأسعار مدعمة أو مستقرة، وتطبيق برامج دقيقة لتحسين السلالات، إضافة إلى اعتماد أنظمة تتبع ورقمنة لسلاسل الإنتاج تضمن الإنتاجية والجودة.

كما تستفيد هذه الدول من اندماج أقوى بين الفلاحة وتربية المواشي، حيث يتم استغلال الزراعات العلفية بشكل استراتيجي لتقليص التبعية للأسواق الخارجية. أما في الحالة المغربية، فضعف تنظيم السوق، وتشتت المربين الصغار، وغياب تحفيزات كافية للاستثمار في تجديد القطيع، كلها عوامل تعرقل تحقيق الاكتفاء النسبي، وتجعل الاستيراد حلاً ظرفياً بدل أن يكون مكمّلاً لمنظومة إنتاج قوية.

وفي هذا السياق، تبدو الحاجة ملحة إلى تقييم شامل لسلسلة قيمة اللحوم الحمراء، من الاستيراد إلى التوزيع النهائي، بهدف تحديد مكامن الخلل وإعادة بناء منظومة أكثر شفافية وفعالية، قادرة على تحقيق التوازن بين حماية المستهلك وضمان استدامة قطاع الإنتاج المحلي.

وتشير بعض الأرقام التي نشرتها جمعية مصدّري لحوم الأبقار في البرازيل (ABIEC) إلى أن المملكة المغربية استوردت، في العام الماضي، ما مجموعه 4806 أطنان من لحوم البقر برازيلية المنشأ، بزيادة قاربت 3250 طنا مقارنة بسنة 2024، حيث استوردت فقط 1558 طنا، مشيرة إلى أن منتجي اللحوم في البرازيل صدّروا إلى المغرب 58 طنا في يناير الماضي وحده.

 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى