المداخيل الجمركية ترتفع.. لكن بأي ثمن؟

حسين العياشي
سجّلت المداخيل الجمركية بالمغرب ارتفاعاً ملحوظاً خلال الربع الأول من السنة الجارية، في مؤشر يعكس دينامية متواصلة في الموارد الجبائية المرتبطة بالتجارة الخارجية، لكنه يفتح في الآن ذاته نقاشاً أوسع حول طبيعة هذه المداخيل ومصادرها الحقيقية ومدى ارتباطها بتحسن النشاط الاقتصادي أو بارتفاع كلفة الاستيراد، خاصة في ما يتعلق بالمواد الطاقية.
فوفق المعطيات الصادرة عن الخزينة العامة للمملكة، بلغت المداخيل الجمركية الصافية مع متم مارس ما مجموعه 23,52 مليار درهم، مسجلة ارتفاعاً بنسبة 7,1 في المائة مقارنة بالفترة نفسها من السنة الماضية، وهو تطور يأتي في سياق يتسم بتقلبات مستمرة في الأسواق الدولية، خصوصاً على مستوى أسعار الطاقة والمواد المستوردة.
ويستند هذا الارتفاع إلى مكونات متعددة تشمل الرسوم الجمركية والضريبة على القيمة المضافة عند الاستيراد، إلى جانب الضريبة الداخلية على الاستهلاك المفروضة أساساً على المنتجات الطاقية وبعض المواد الأخرى، مع احتساب عمليات الاسترجاع والتخفيضات الضريبية التي تؤثر على الحصيلة النهائية.
وعلى مستوى الأرقام الإجمالية، بلغت المداخيل الجمركية الخام 27,19 مليار درهم، مقابل 21,95 مليار درهم خلال الفترة نفسها من السنة الماضية، بزيادة بلغت 7,3 في المائة، ما يعكس اتساع الوعاء الضريبي المرتبط بالواردات، سواء نتيجة ارتفاع حجمها أو بسبب تطور قيمتها المالية تحت تأثير الأسعار الدولية.
غير أن قراءة أكثر تفصيلاً لهذه الأرقام تكشف تباينات لافتة بين مكونات هذه المداخيل. ففي الوقت الذي سجلت فيه الرسوم الجمركية الصافية تراجعاً طفيفاً، حيث انتقلت من 3,8 مليار درهم إلى 3,72 مليار درهم، أي بانخفاض نسبته 2,1 في المائة، واصلت الضريبة على القيمة المضافة عند الاستيراد منحاها التصاعدي، إذ بلغت 14,13 مليار درهم مقابل 13,68 مليار درهم قبل سنة، مسجلة ارتفاعاً بنسبة 3,3 في المائة.
ويظهر هذا التطور بشكل أوضح عند تفكيك مكونات هذه الضريبة، حيث ارتفعت الضريبة على المنتجات الطاقية بنسبة 0,5 في المائة، مقابل زيادة أكبر بلغت 3,8 في المائة بالنسبة لباقي السلع، ما يعكس استمرار الضغط الذي تمارسه كلفة الاستيراد على بنية الأسعار الداخلية، وإن بوتيرة متفاوتة بين القطاعات.
لكن المؤشر الأكثر لفتاً للانتباه يظل مرتبطاً بالضريبة الداخلية على الاستهلاك المفروضة على المنتجات الطاقية، والتي سجلت قفزة قوية بنسبة 26,6 في المائة، لتبلغ 5,66 مليار درهم مقابل 4,47 مليار درهم خلال الفترة نفسها من السنة الماضية. وهو ارتفاع يعكس، في العمق، العلاقة المباشرة بين ارتفاع استهلاك الطاقة أو كلفتها وبين تضخم الموارد الجبائية للدولة، ما يطرح تساؤلات حول كلفة هذا التحسن على القدرة الشرائية للمواطنين وعلى تنافسية الاقتصاد الوطني.
وفي السياق ذاته، سجلت المداخيل المتأتية من الضريبة الداخلية على استهلاك التبغ المصنع بدورها ارتفاعاً بنسبة 9,7 في المائة، لتصل إلى 3,02 مليار درهم، وهو ما يعزز المنحى العام التصاعدي لبعض الموارد الجبائية المرتبطة بالاستهلاك.
وبين أرقام تعكس تحسناً في المداخيل العمومية ومؤشرات تطرح في المقابل أسئلة حول مصادر هذا التحسن، يتجدد النقاش حول طبيعة النمو الجبائي في المغرب، وما إذا كان يعكس انتعاشاً اقتصادياً حقيقياً أو أنه يرتبط أساساً بارتفاع الضغط الضريبي غير المباشر المرتبط بالاستهلاك والاستيراد، خاصة في ظل استمرار تقلبات الأسعار الدولية وتداعياتها المباشرة على السوق الداخلية.





