بمرسوم ملكي.. إسبانيا تسوّي وضعية نصف مليون مهاجر

حسين العياشي
سجّل ملف الهجرة في إسبانيا تحولاً لافتاً، بعدما صادقت الحكومة، اليوم الإثنين، على مرسوم ملكي يقضي بتسوية وضعية ما يقارب نصف مليون مهاجر غير نظامي، في خطوة تعكس توجهاً سياسياً واجتماعياً جديداً يراهن على الإدماج بدل الإقصاء، وعلى استثمار الهجرة كرافعة اقتصادية بدل التعامل معها كعبء ظرفي.
وجاء هذا القرار، الذي حظي بموافقة مجلس الوزراء، تتويجاً لمسار غير اعتيادي انطلق من مبادرة تشريعية شعبية جمعت أكثر من 600 ألف توقيع، مدعومة بطيف واسع من الفاعلين، من منظمات المجتمع المدني إلى أرباب العمل والنقابات وحتى المؤسسة الكنسية، في مشهد يعكس إجماعاً مجتمعياً نادراً حول ضرورة تسوية أوضاع فئة تعيش وتشتغل داخل النسيج اليومي للبلاد دون اعتراف قانوني.
ولم يخف رئيس الحكومة الإسبانية، بيدرو سانشيز، البعد الرمزي لهذا القرار، معتبراً إياه «فعل عدالة» قبل أن يكون مجرد إجراء إداري، في إشارة إلى استعادة ذاكرة الهجرة الإسبانية نفسها، حين اضطر آلاف المواطنين إلى مغادرة البلاد نحو أوروبا وأمريكا عقب الأزمة الاقتصادية لسنة 2008، بحثاً عن فرص العيش الكريم.
غير أن خلفية هذا القرار لا تقتصر على البعد الإنساني فقط، بل تمتد إلى حسابات اقتصادية دقيقة، حيث تراهن مدريد على إدماج هذه اليد العاملة في الدورة الرسمية للاقتصاد لمواجهة تحديات بنيوية، في مقدمتها الشيخوخة الديمغرافية ونقص الموارد البشرية في قطاعات حيوية. فالمهاجرون غير النظاميين يشكلون، بحسب التقديرات الرسمية، قوة عمل حاضرة بالفعل في مجالات أساسية مثل رعاية المسنين، وسلاسل الإمداد الغذائي، والتعليم، والمقاولات الصغرى، لكنهم يشتغلون في ظل هشاشة قانونية تحدّ من مردوديتهم وتحرم الدولة من الاستفادة الكاملة من مساهمتهم.
ومن خلال هذا المرسوم، تسعى الحكومة الإسبانية إلى نقل هذه الفئة من الهامش إلى قلب المنظومة الاقتصادية، عبر منحها وضعاً قانونياً يمكنها من الولوج إلى سوق الشغل بشكل منظم، والمساهمة في تمويل أنظمة الحماية الاجتماعية، وعلى رأسها التقاعد والتأمين الصحي، وهي أنظمة تواجه ضغوطاً متزايدة بفعل التحولات الديمغرافية.
ويحمل هذا التوجه في طياته أيضاً رسالة سياسية واضحة، مفادها أن تدبير ملف الهجرة لا ينبغي أن يُختزل في المقاربات الأمنية أو الخطابات الشعبوية القائمة على التخويف، بل يتطلب رؤية استراتيجية تقوم على المسؤولية وتقاسم المنافع، بما يحقق التوازن بين متطلبات السيادة الوطنية وحاجيات الاقتصاد.
وبين منطق الإدماج وخيارات الإقصاء التي تطبع سياسات الهجرة في عدد من الدول الأوروبية، تختار إسبانيا رسم مسار مختلف، يضع الإنسان في صلب المعادلة، ويحوّل تحدياً معقداً إلى فرصة لإعادة تشكيل سوق الشغل وضمان استدامة الخدمات العمومية.
وفي لحظة أوروبية مشحونة بنقاشات حادة حول الهجرة والحدود، يبدو أن مدريد تراهن على نموذج بديل، لا ينكر صعوبة الظاهرة، لكنه يرفض التعامل معها بمنطق الخوف، مفضلاً الاستثمار في إمكانياتها كجزء من مستقبل اقتصادي واجتماعي أكثر توازناً.





