معطيات علمية حديثة تعزز القيمة الأثرية والبيئية لإقليم السمارة

أميمة حدري
كشفت أبحاث أركيولوجية حديثة بإقليم السمارة عن معطيات علمية وُصفت بغير المسبوقة، من شأنها تعزيز القيمة الأثرية والبيئية للمنطقة، وإعادة تسليط الضوء على مؤهلاتها الثقافية والطبيعية في سياق الجهود الرامية إلى تثمين التراث الوطني وربطه بمسارات التنمية المحلية المستدامة، وذلك على ضوء نتائج ميدانية تم التوصل إليها خلال أشغال تنقيب امتدت ما بين مارس وأبريل 2026 بموقع “خنكة اكسات” التابع لجماعة اجديرية.
وأفاد الفريق الأركيولوجي المغربي المشرف على هذه الأبحاث بأن الحفريات مكنت من الكشف عن مؤشرات مادية دقيقة تعود إلى فترات ما قبل الإسلام، خاصة في ما يتعلق بالتراث الجنائزي، حيث تم رصد نماذج معمارية فريدة لمعالم دفنية تعكس أنماطا متقدمة من التنظيم الاجتماعي والطقوسي، إلى جانب توثيق دفنات أولية مرفوقة بلقى جنائزية، وهو ما يوفر معطيات نوعية لفهم التحولات الثقافية والرمزية التي عرفتها المنطقة عبر الحقب التاريخية المبكرة.
وفي ما يخص التعبيرات الفنية القديمة، سجلت الأبحاث توثيق مجموعتين متميزتين من الفن الصخري، الأولى تصنف ضمن ما يعرف بـ”الباليو-أمازيغية”، وتجسد بدايات تشكل أنماط الكتابة الأمازيغية في المنطقة، فيما تضم المجموعة الثانية أشكالا بشرية موغلة في القدم، تعكس تمثلات رمزية مرتبطة بالإنسان القديم، وهو ما يعزز الطروحات العلمية التي ترى في هذا المجال فضاءً نشطا للتعبير الرمزي والتواصل البصري خلال عصور ما قبل التاريخ.
كما أسفرت الأبحاث الميدانية عن اكتشاف ورشة تقنية متكاملة مخصصة لتحضير الأصباغ المستعملة في الرسوم الصخرية، تضم موقدا وأدوات طحن لا تزال تحتفظ بآثار صبغات حمراء، وهو ما اعتبره الباحثون مؤشرا قويا على وجود تنظيم تقني متقدم في إنتاج المواد الفنية، وقد تم دعم هذا الاكتشاف بسلسلة من التحاليل المخبرية الدقيقة التي أنجزها مختبر متنقل تابع لجامعة مولاي إسماعيل بمكناس، حيث اعتمدت هذه التحاليل على مقاربات علمية غير متلفة شملت القياس اللوني، والتحليل الفلوري بالأشعة السينية، والتحليل الطيفي “رامان”، ما مكن من تحديد الخصائص الكيميائية والفيزيائية للأصباغ المستعملة، وتقديم قراءة علمية متكاملة حول تقنيات إنجاز الرسوم الصخرية.
وفي الشق البيئي، أبرزت نتائج الأبحاث غنى المجال المدروس بنظم بيئية متنوعة، حيث تم تسجيل حضور لافت لشجرة الأركان باعتبارها نموذجا بيولوجيا للتكيف مع المناخ الصحراوي، إلى جانب رصد تنوع حيواني يعكس قدرة الأنظمة الإيكولوجية المحلية على التأقلم مع الظروف الطبيعية الصعبة، وهو ما يمنح المنطقة بعدا بيئيا إضافيا يعزز من أهميتها في مجالات البحث العلمي المرتبط بالتغيرات المناخية والتكيف البيئي.
وتندرج هذه الأبحاث ضمن مشروع علمي يروم جرد وتوثيق التراث الثقافي والطبيعي بحوض الساقية الحمراء، والمساهمة في بلورة مسار ثقافي وسياحي ذي بعد تنموي بإقليم السمارة، في إطار شراكة مؤسساتية تضم عددا من الفاعلين، من بينهم جمعية ميران لحماية الآثار، والمجلس الإقليمي للسمارة، وعمالة الإقليم، ومديرية التراث الثقافي التابعة لوزارة الشباب والثقافة والتواصل، واللجنة الجهوية لحقوق الإنسان بجهة العيون الساقية الحمراء، إلى جانب جامعة ابن زهر بأكادير، تحت إشراف أكاديمي متخصص.
وأكد الفريق العلمي المشرف على هذه الأبحاث أن المعطيات المحصل عليها تبرز بشكل واضح التكامل القائم بين التراث الثقافي بشقيه المادي واللامادي والإطار الطبيعي للمنطقة، وهو ما يجعل من مجال اجديرية فضاء واعدا للبحث العلمي متعدد التخصصات، وقاعدة محتملة لتطوير السياحة الثقافية والبيئية، في أفق إدماج هذه المؤهلات ضمن استراتيجيات تنموية تستحضر خصوصيات المجال وتراهن على تثمين موروثه الحضاري والطبيعي بشكل مستدام.





