الغنبوري: سندات “OCP” الهجينة إنجاز مالي.. لكن بمخاطر مؤجلة

حسين العياشي

سجّل المشهد المالي المغربي تحولاً لافتاً مرّ بصمت، حين أقدمت مجموعة المكتب الشريف للفوسفاط على إصدار سندات هجينة بقيمة 1.5 مليار دولار في الأسواق الدولية، في خطوة غير مسبوقة على مستوى الشركات الإفريقية، لكنها لم تحظَ بالاهتمام الذي يوازي ثقلها ودلالاتها العميقة على مسار تطور أدوات التمويل في المغرب.

فالعملية، في ظاهرها، تبدو مجرد تعبئة ناجحة للموارد المالية في ظرفية دولية دقيقة، غير أنها في جوهرها تعكس انتقالاً نوعياً في طريقة تفكير الفاعلين الاقتصاديين المغاربة، الذين بدأوا يلجؤون إلى أدوات مالية أكثر تعقيداً وتركيباً، تجمع بين خصائص الدين ورأس المال، بما يمنحهم هامشاً أوسع للتحرك دون الوقوع تحت ضغط المديونية التقليدية.

وفي تصريح خصّ به “إعلام تيفي”، اعتبر الخبير الاقتصادي علي الغنبوري أن هذا الإصدار لا يحمل فقط بعداً تقنياً مالياً، بل يعكس تحولاً أعمق في فلسفة تدبير التمويل بالمغرب، حيث باتت الشركات الكبرى تبحث عن صيغ أكثر مرونة تتيح لها تمويل استثماراتها دون الإخلال بتوازناتها المالية. وأوضح أن السندات الهجينة تمنح امتيازات مهمة، من بينها إمكانية تأجيل الفوائد واحتساب جزء منها ضمن رأس المال، وهو ما يعزز القدرة الاستثمارية ويفتح آفاقاً أوسع للتوسع.

غير أن الغنبوري نبّه، في المقابل، إلى أن هذه الأدوات، رغم جاذبيتها، تظل محفوفة بدرجة أعلى من التعقيد والمخاطر مقارنة بالتمويلات التقليدية، سواء بالنسبة للمستثمرين أو من حيث تأثيرها على استدامة التوازنات المالية للشركات. فالسندات الهجينة، بحكم طبيعتها، قد تتحول إلى عبء مستقبلي إذا لم يتم توظيفها ضمن رؤية واضحة تأخذ بعين الاعتبار تقلبات الأسواق الدولية وشروط التمويل المتغيرة.

وفي هذا السياق، شدد الخبير الاقتصادي على أن الرهان الحقيقي لا يكمن في نجاح إصدار مالي بهذا الحجم، بل في كيفية إدماجه ضمن استراتيجية شمولية لتدبير الدين، توازن بين الحاجة إلى التمويل ومتطلبات الاستقرار المالي. فالإفراط في اللجوء إلى هذه الأدوات، أو استخدامها خارج إطار حكامة دقيقة، قد يؤدي إلى نتائج عكسية ويحوّل ما يبدو اليوم فرصة إلى ضغط مؤجل على المدى المتوسط والبعيد.

ويعكس هذا التطور، وفق الغنبوري، ثقة متزايدة من قبل الأسواق الدولية في الفاعلين الاقتصاديين المغاربة، لكنه في الآن ذاته يضعهم أمام اختبار جديد يتعلق بمدى قدرتهم على التحكم في أدوات مالية معقدة، في سياق عالمي يتسم بعدم اليقين وارتفاع كلفة التمويل.

وبين طموح الانفتاح على أدوات تمويل متقدمة، والحاجة إلى الحفاظ على توازنات مالية مستقرة، يبرز التحدي الحقيقي في الانتقال من منطق تعبئة الموارد إلى منطق إدارة المخاطر، بما يضمن أن تتحول هذه الخطوات الجريئة إلى رافعة للنمو، لا إلى رهانات غير محسوبة العواقب.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى