صراع شركة برلماني وعضو في المعارضة يشعل ملف المقالع.. والساكنة عالقة بين روايتين

حسين العياشي

فجّر الجدل المتصاعد حول استغلال المقالع بمنطقة الولجة، التابعة لجماعة سيدي عبد الله غيات بإقليم الحوز، مواجهة سرديات متباينة بين ما تؤكده الساكنة من معطيات ميدانية مقلقة، وما يقدمه النائب البرلماني يوسف بيزيد من توضيحات ينفي فيها وجود أي خروقات، ويضع ما يجري في خانة “التجاذب السياسي” أكثر منه إشكالاً بيئياً أو قانونياً.

وفي تصريح خصّ به “إعلام تيفي”، قدّم بيزيد روايته لما يحدث، معتبراً أن الشكاية التي فجّرت هذا الملف تقف وراءها حسابات سياسية محلية يقودها مستشار جماعي في المعارضة، قال إنه “يحاول ليّ الذراع” كلما شرعت الشركة في استئناف نشاطها منذ انطلاق المشروع سنة 2017. وحرص النائب على التأكيد أن علاقته بالساكنة “طبيعية ولا تشوبها مشاكل”، بل تتجاوز، وفق تعبيره، إلى الاستجابة لعدد من مطالبهم، مشدداً على أن دوار الولجة هو الوحيد المعني مباشرة بالمقلع، وأن الأرض المستغلة تم استئجارها بشكل قانوني مقابل 16 مليون سنتيم سنوياً.

كما قدّم بيزيد معطيات مالية للدفاع عن مشروعيته، موضحاً أنه استثمر أزيد من مليار سنتيم في هذا النشاط دون أن يحقق، إلى حدود الساعة، أي عائد مادي، معتبراً أن الشركة لم تستأنف عملها فعلياً إلا قبل أيام قليلة بعد توقف دام ثلاث سنوات، وأن ما يجري حالياً لا يتجاوز مرحلة إعداد لوجستي مرتبطة بتجهيز الشاحنات.

غير أن هذه الرواية، التي تميل إلى تفسير الجدل بمنطق الصراع السياسي المحلي، تتقاطع بشكل لافت مع معطيات ميدانية سبق أن عبّرت عنها ساكنة عدد من الدواوير المجاورة، والتي لا تختزل الإشكال في خلفيات سياسية، بل تربطه بتأثيرات ملموسة على البنية التحتية والمحيط البيئي. فبينما يؤكد النائب أن نشاط شركته يتم في إطار قانوني وتحت مراقبة السلطات المختصة، تتحدث شكايات سكان الدواوير المجاورة عن تصدعات خطيرة طالت قنطرة حديثة على وادي أغمات، وعن أشغال حفر بمحاذاتها في مجال يوصف بالحساس، وهي معطيات يصعب حصرها في مجرد “تأويل سياسي” للصراع.

وفي ما يتعلق بمدى احترام الضوابط القانونية، شدد النائب على أن شركته تتوفر على جميع التراخيص اللازمة، وتؤدي واجباتها الجبائية بشكل كامل، وتوفر فرص شغل لأبناء المنطقة دون استقدام يد عاملة من خارجها، متسائلاً عما إذا كان المطلوب هو “توقيف تشغيل هؤلاء الشباب”. غير أن هذا الطرح، رغم وجاهته الاجتماعية، لا يلغي التساؤلات المرتبطة بحدود احترام دفتر التحملات، خاصة في ظل اتهامات بتوسيع مجال الاستغلال خارج النطاق المرخص، وتسجيل أضرار تطال أراضي فلاحية ومسالك قروية؛ وهو ما اعتبره النائب مجرد افتراء لكونه يغيب أدوار السلطة الرقابية المختصة، والتي تسهر على ضمان احترام هذه القواعد المؤطرة.

كما حاول بيزيد تفكيك منطق استهداف شركته دون غيرها، متسائلاً عن سبب التركيز على مقلعه في منطقة تعرف وجود مقالع متعددة، وعن مدى تحميل شاحناته وحدها مسؤولية الضغط على القنطرة، وهي أسئلة تعكس زاوية نظر تعتبر أن الجدل انتقائي، لكنها في المقابل تفتح باباً أوسع للتساؤل حول وضعية القطاع ككل، ومدى خضوعه لرقابة متكافئة تشمل جميع الفاعلين دون استثناء.

وفي رده على مسألة التوقيت، أكد المتحدّث أن الأشغال تتم في احترام تام للساعات القانونية، من الثامنة صباحاً إلى السادسة مساءً، مع التوقف لفترة راحة، معتبراً أن أي تضرر فعلي كان يفترض أن يترجم إلى شكايات مباشرة من الساكنة المجاورة، مؤكدا أن الشكاية التي يلوّح بها المتشار خارجة عن السياق.

وبين رواية تضع الجدل في سياق “استهداف سياسي”، وأخرى تستند إلى معطيات تتحدث عن اختلالات بيئية وبنيوية، يظل الملف مفتوحاً على أكثر من قراءة، في انتظار ما قد تسفر عنه أي تحقيقات رسمية قادرة على الحسم في مدى احترام القوانين المنظمة لقطاع المقالع، وتحديد المسؤوليات في حال ثبوت أي تجاوزات.

وفي خضم هذا التداخل بين السياسي والبيئي والاجتماعي، تتجاوز القضية حدود نزاع محلي، لتطرح سؤالاً أعمق حول كيفية تدبير الموارد الطبيعية، وحدود التوازن بين تشجيع الاستثمار وحماية المجال وسلامة المواطنين، في سياق يتطلب أكثر من أي وقت مضى وضوحاً في المعطيات وصرامة في الرقابة.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى