سوق المحروقات في قفص الاتهام.. ونقابة البترول تطالب بتدخل عاجل

حسين العياشي

سجّل المؤتمر الوطني السادس للنقابة الوطنية لصناعات البترول والغاز تحولاً لافتاً في نبرة الخطاب النقابي، بعدما قدّم قراءة حادة لما يجري في الساحة الدولية، معتبراً أن العالم لم يعد يعيش مجرد تقلبات ظرفية في أسعار الطاقة، بل يدخل مرحلة صراع جيوسياسي مفتوح حول التحكم في موارد النفط والغاز، في سياق عالمي يطبعه “لا يقين” ممتد منذ جائحة كوفيد-19 وصولاً إلى بؤر التوتر والحروب الراهنة.

هذا التشخيص، الذي بدا أقرب إلى إعلان قلق استراتيجي، لم يُفصل عن الواقع المغربي، حيث ربطت النقابة بشكل مباشر بين اضطراب الأسواق الدولية وانعكاساته الداخلية، معتبرة أن وضع بلد يعتمد بشكل شبه كلي على استيراد الطاقة يجعله في قلب هذه التحولات، ليس فقط من زاوية الأسعار، بل أيضاً من حيث التداعيات الاقتصادية والاجتماعية التي تتسع رقعتها مع كل موجة ارتفاع جديدة.

وفي هذا السياق، أعادت النقابة طرح سؤال السيادة الطاقية بصيغة أكثر إلحاحاً، مؤكدة أن الأمر لم يعد يحتمل التأجيل أو المعالجة الظرفية، بل يستدعي إعادة بناء المنظومة الوطنية على أسس مختلفة، يكون في صلبها إحياء الصناعات البترولية الوطنية، وعلى رأسها مصفاة “سامير”، باعتبارها، وفق هذا الطرح، أداة محورية لاستعادة جزء من التحكم في السوق وتعزيز الأمن الطاقي للبلاد.

ولم تُخفِ النقابة انتقادها للخيارات التي طبعت تدبير القطاع خلال السنوات الماضية، خاصة ما يتعلق بسياسات الخوصصة وتحرير أسعار المحروقات، معتبرة أن هذه التوجهات أضعفت هامش تدخل الدولة في ضبط السوق، وفتحت المجال أمام اختلالات في المنافسة، انعكست بشكل مباشر على مستويات الأسعار وعلى القدرة الشرائية للمواطنين.

غير أن النقاش، في نظر النقابة، لا يمكن أن يُختزل في تدبير الأسعار فقط، بل يتجاوز ذلك إلى بنية المنظومة الطاقية نفسها، حيث أشارت إلى أن الطاقة الأحفورية لا تزال تشكل ما يقارب 90 في المائة من الاستهلاك الطاقي الوطني، مع هيمنة واضحة للمنتجات البترولية، وهو ما يكشف حدود الخطاب المرتبط بالانتقال الطاقي، ويفرض اعتماد مقاربة أكثر واقعية تأخذ بعين الاعتبار استمرار هذا الاعتماد الكبير على مصادر الطاقة التقليدية.

ومن هذا المنطلق، دعت النقابة إلى إحداث وكالة وطنية مستقلة لتقنين وضبط قطاع الطاقة، قادرة على إعادة التوازن إلى السوق وتعزيز الشفافية، إلى جانب مراجعة آليات الحكامة الحالية التي ترى أنها ساهمت، بشكل أو بآخر، في تعميق هشاشة القطاع، مؤكدة أن الاختلالات القائمة ليست نتاجاً حصرياً للتقلبات الدولية، بل ترتبط أيضاً بخيارات داخلية تحتاج إلى تقييم وإعادة نظر.

ولم تفصل النقابة بين هذه الإشكالات البنيوية والبعد الاجتماعي، حيث اعتبرت أن الارتفاع المتواصل في أسعار المحروقات يعكس خللاً أعمق في السياسات العمومية وفي طريقة توزيع كلفة الأزمات، وهو ما ينعكس بشكل مباشر على القدرة الشرائية للأسر وعلى كلفة العيش، داعية إلى مقاربة شمولية تربط بين إصلاح القطاع الطاقي وتحسين الأوضاع الاجتماعية للعاملين وتعزيز منظومة الحماية الاجتماعية.

وبهذا الطرح، أعاد المؤتمر الوطني السادس للنقابة الوطنية لصناعات البترول والغاز ملف السيادة الطاقية إلى صدارة النقاش العمومي، ليس باعتباره ملفاً تقنياً أو قطاعياً، بل كقضية استراتيجية تتقاطع فيها رهانات الاقتصاد والسيادة والعدالة الاجتماعية، في لحظة تتزايد فيها الضغوط الداخلية وتتسارع فيها التحولات الدولية، بما يجعل من إعادة النظر في هذا القطاع خياراً لا يحتمل مزيداً من التأجيل.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى