حين تلتقي حرية الصحافة بحدود المسؤولية.. المنصوري تختار طريق القضاء

حسين العياشي

يختبر الجدل الذي أُعيد إحياؤه حول ملف “تسلطانت” حدود الممارسة الإعلامية في زمن السرعة، حيث تتحول المعلومة، حين تُنتزع من سياقها أو تُقدَّم بانتقائية، إلى عنصر ضغط بدل أن تكون أداة تنوير. فالإشكال لا يكمن في طرح الأسئلة أو تتبع قضايا المسؤولين العموميين، بل في كيفية بناء تلك الأسئلة، وفي الزوايا التي تُقدَّم من خلالها، خصوصاً عندما يستمر تداول نفس الادعاءات رغم صدور توضيحات مفصلة بشأنها.

بلاغ فاطمة الزهراء المنصوري الأخير لا يمكن قراءته فقط كردّ على مادة إعلامية، بل كإشارة إلى انتقال النقاش من مستوى التفاعل إلى مستوى الاحتكام للمؤسسات. فمن خلال مضمونه، يتضح أن المعنية بالأمر اختارت، في مرحلة أولى، الاكتفاء بالتوضيح، مراهنة على قدرة الرأي العام على التمييز بين المعطى المؤكد والتأويل. غير أن استمرار إعادة طرح نفس الرواية، دون إدماج عناصر الرد أو مساءلتها بجدية، يطرح تساؤلات مشروعة حول دينامية النشر ومعاييره.

وهنا يبرز نقاش دقيق لا يتعلق بجهة بعينها، بقدر ما يرتبط بطبيعة الممارسة الإعلامية نفسها: إلى أي حد يمكن للمعلومة أن تعاد دون تحيين أو تمحيص إضافي؟ ومتى يتحول التكرار من نقل للخبر إلى إعادة إنتاج للانطباع؟ فالمهنية، في جوهرها، لا تقاس فقط بجرأة الطرح، بل أيضا بقدرة المنبر على موازنة الروايات وإتاحة المسافة الضرورية للقارئ كي يكوّن حكمه على أساس معطيات مكتملة.

الصحافة، في بعدها العميق، ليست سلطة حكم، بل فضاء للنقاش العمومي المؤطر بالتحقق والتدقيق. وحين يختزل هذا الدور في عرض رواية واحدة دون مساءلتها أو مقارنتها بما يقابلها، يصبح النقاش معرضاً لفقدان توازنه، ويُطرح حينها السؤال حول الحدود الدقيقة بين النقد المشروع والانزلاق غير المقصود نحو التشهير.

في المقابل، يبدو لجوء المنصوري إلى القضاء امتدادا لمسار استُنفدت فيه أدوات التوضيح؛ فحين لا تكفي الكلمة لضبط النقاش، يصبح الاحتكام إلى القانون خيارا مؤسساتيا يهدف إلى ترتيب الوقائع وفق معايير واضحة. كما أن الإعلان عن توجيه أي تعويضات محتملة لأغراض خيرية يضفي بعدا مبدئيا على هذه الخطوة، ويُخرجها من دائرة الرد الشخصي إلى إطار أوسع يتصل بحماية السمعة كقيمة عامة.

ما يستحق التوقف عنده في هذا السياق ليس فقط مضمون الملف، بل الطريقة التي يُدار بها النقاش حوله. إذ إن الإبقاء على نفس الزوايا ونفس المعطيات، دون تطوير في المعالجة أو توسيع في مصادر التحقق، قد يُبقي الجدل قائماً دون أن يقود بالضرورة إلى مزيد من الوضوح. وهنا تتقاطع مسؤوليتان: مسؤولية الإعلام في تدقيق المعلومة، ومسؤولية المتلقي في قراءتها بوعي نقدي.

بين حرية التعبير وواجب احترام الحقيقة خيط دقيق، لا يُقاس فقط بما يُقال، بل أيضاً بكيفية قوله وتوقيته وسياقه. وفي زمن تتسارع فيه الأخبار وتتداخل فيه الوقائع بالانطباعات، تصبح المهنية الحقيقية هي القدرة على تقديم المعلومة في توازنها، دون تهويل أو إغفال، بما يضمن للنقاش العمومي أن يظل قريباً من الحقيقة، لا أسيراً لتكرارها.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى