اقتصاد الظل يتمدد.. كيف يتهرب الكبار ويدفع الصغار الثمن

 

بشرى عطوشي

تحليل_ وسط الأسواق الشعبية، يلتزم صغار التجار بأداء ما عليهم من ضرائب تفادياً للعقوبات، بينما تنجح شبكات مالية أكثر تعقيداً في تمرير صفقات كبرى بعيداً عن أعين الجباية، هذا التباين لا يعكس حالات معزولة، بل يكشف اختلالاً بنيوياً في منظومة تُشدّد على الحلقة الأضعف وتُراخي أمام الكبار.

يُقدَّر حجم الاقتصاد غير الرسمي بالمغرب بين 30 و35 في المئة من الناتج الداخلي الخام، أي عشرات المليارات خارج دائرة الضرائب. الفجوة بين ما يُفترض تحصيله وما يُحصَّل فعلياً تبقى كبيرة، في ظل انتشار معاملات غير مصرح بها، وعقارات تُباع بثمنين، وخدمات تُؤدّى دون فواتير، ما يحرم الدولة من موارد حيوية للتنمية.

آليات التهرب: فن الاختفاء الضريبي

لفهم كيف يعمل اقتصاد الظل بالمغرب، لا بد من رصد آلياته الرئيسية التي تتفاوت في درجة التعقيد لكنها تشترك في النتيجة ذاتها: إخفاء الثروة عن مسرح الضريبة.
التقييم المزدوج في العقار. يُعدّ هذا القطاع الأكثر توثيقاً في ما يخص التهرب الضريبي. يُتفق في كثير من الصفقات على ثمنين: ثمن رسمي مُصرَّح به أمام الموثق وهو أقل بكثير من الحقيقي، وثمن حقيقي يُدفع نقداً أو عبر تحويلات غير رسمية. الفارق بين الثمنين يختفي من دائرة الضريبة على الأرباح العقارية والرسوم التسجيلية، بينما يُثري أطراف الصفقة على حساب الخزينة العامة. وقد حاولت الإدارة الضريبية مراراً تفعيل آلية “حق الشفعة” للتصدي لهذه الظاهرة، لكن النتائج ظلت دون مستوى الطموح.

التضخيم المحاسبي في الشركات

تعتمد شركات عديدة، خاصة متوسطة الحجم، على تضخيم فاتورات التكاليف لتقليص الأرباح المُعلنة وبالتالي وعائها الضريبي. وسائل هذا التضخيم متعددة: فواتير وهمية من موردين متواطئين، نفقات شخصية تُسجَّل باسم الشركة، وعقود خدمات مع مكاتب استشارية صورية لا وجود حقيقي لها. كل هذا يجري أحياناً بمعرفة محاسبين معتمدين يجدون في هذه الهندسة المالية مصدراً لدخلهم الخاص.
الاقتصاد النقدي وغياب الفاتورة. في قطاعات واسعة كالبناء والتجارة بالجملة وبعض الخدمات المهنية، تسود ثقافة الكاش التي تجعل تتبع المعاملات المالية أمراً شبه مستحيل. المقاول الذي يبني عمارة بعشرة ملايين درهم قد يُصرح لمصالح الضرائب بإيرادات لا تُمثّل سوى جزء يسير من واقعه المالي، في غياب فواتير تُثبت خلاف ذلك.

التحويل نحو الخارج

تلجأ بعض الشركات الكبرى، خاصة ذات الامتدادات الدولية، إلى تقنيات أكثر تطوراً لتحويل الأرباح نحو دول ذات ضغط ضريبي منخفض، عبر ما يُعرف بـ”تسعير التحويل”. هذه التقنية، التي تعمل في المنطقة الرمادية بين ما هو قانوني وما هو تحايل، تستلزم كفاءات متخصصة في الرد عليها لا تتوفر دائماً لدى الإدارة الضريبية المغربية.

في ظل صعوبة ملاحقة التهرب الكبير، تتجه المراقبة نحو الفئات الأقل قدرة على المقاومة. الحرفيون وصغار التجار يواجهون الغرامات والمتابعات، بينما تستفيد بعض الشركات الكبرى من تسويات ضريبية تقلّص التزاماتها. هذا التفاوت لا يضرب فقط مبدأ العدالة، بل يُضعف الثقة في النظام برمته.

لماذا يصعب الحل؟ عقبات بنيوية وأخرى سياسية؟

الإجابة عن سؤال لماذا يستمر هذا الوضع رغم الوعي به تستلزم صراحة غير مريحة. على الصعيد التقني، تعاني الإدارة الضريبية من محدودية في الكوادر المتخصصة وفي أدوات التتبع الرقمي للمعاملات المالية الكبيرة. لكن ما هو أكثر إثارة للتساؤل هو الصعيد السياسي: فالمتهربون الكبار في كثير من الأحيان أصحاب نفوذ وعلاقات، وملاحقتهم قضائياً تستلزم إرادة تتجاوز حدود الإدارة الضريبية وحدها.
يُضاف إلى ذلك ضعف منظومة إخبار المواطن وحمايته حين يُبلّغ عن تهرب ضريبي، وغياب ثقافة الفاتورة والشفافية المالية في قطاعات واسعة من الاقتصاد، فضلاً عن بطء القضاء في الفصل في قضايا التهرب الضريبي المعقدة، مما يجعل المخاطرة بالتهرب مُجدية حسابياً بالنسبة لمن يملكون وسائل الدفاع القانونية.

الإصلاح يمر عبر تعميم الرقمنة وإلزامية الفاتورة الإلكترونية، وتشديد مراقبة التصريحات العقارية، وتعزيز التنسيق بين المؤسسات. لكن العنصر الحاسم يظل تطبيق القانون على الجميع دون استثناء، لأن أي إصلاح جزئي لن يحقق التوازن المطلوب.

لا يمكن تمويل التنمية بمنظومة ضريبية يتحملها الضعفاء ويتهرب منها الأقوياء. كل درهم خارج الرقابة هو خسارة جماعية، وكل تفاوت في التطبيق يُقوّض الثقة. العدالة الجبائية ليست خياراً، بل أساس عقد اجتماعي متوازن.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى