المعرض الدولي للفلاحة بمكناس.. تنوع الأروقة يكشف رهانات الاقتصاد القروي والأسواق الصاعدة

أميمة حدري
شهد المعرض الدولي للفلاحة بمكناس في دورته الثامنة عشرة، حضورا مكثفا وتنوعا لافتا في الأروقة والقطاعات المعروضة، في مشهد يعكس التحولات التي يشهدها الاقتصاد القروي واتساع دائرة اهتمامه من الإنتاج الفلاحي التقليدي إلى أنشطة تثمين المنتجات، والصناعات التحويلية، والأسواق الناشئة المرتبطة بالاستهلاك الحديث.
وقد برزت هذه الدينامية من خلال تداخل مجالات العرض داخل فضاءات المعرض، حيث اجتمعت المنتجات المجالية، والابتكارات الفلاحية، والتجارب الاستثمارية الجديدة في فضاء واحد يعكس صورة مركبة عن تطور القطاع الفلاحي بالمغرب.
وعرفت أروقة المنتجات المجالية حضورا قويا لتعاونيات تمثل مختلف جهات المملكة، حيث تم عرض تشكيلة واسعة من المنتوجات الفلاحية التي شملت العسل بمختلف أنواعه، والزعفران، وزيوت الأركان، ومشتقات النباتات الطبية والعطرية، وهو ما يؤشر على التطور التدريجي لهذا القطاع خلال السنوات الأخيرة، على مستوى الجودة والتسويق، بفضل تحسين طرق الإنتاج واعتماد مسارات للتأطير التقني والمراقبة الصحية، ما مكن عددا من التعاونيات من الولوج إلى أسواق منظمة داخل المغرب وخارجه.
وفي سياق متصل، استأثر رواق المنتجات المستخلصة من القنب الهندي المقنن باهتمام واسع من طرف الزوار والمهنيين، حيث تم تقديم منتجات متنوعة تشمل المكملات الغذائية، والمستحضرات التجميلية، والشاي الطبي، إلى جانب مواد تعتمد على زيت بذور القنب الهندي ومستخلصات “CBD”، وذلك في إطار تفعيل القانون رقم 13.21 المتعلق بالاستعمالات المشروعة للقنب الهندي، والذي فتح المجال أمام تطوير سلاسل إنتاج جديدة ذات قيمة مضافة عالية.
ويعكس هذا الورش، انتقال القطاع من مرحلة الإنتاج التقليدي إلى مرحلة التصنيع المهيكل، حيث لم يعد القنب الهندي مقتصرا على استعمالات غير منظمة، بل أصبح يدخل في صناعات تجميلية وغذائية وصحية، ضمن سلاسل قيمة متكاملة تبدأ من الزراعة وتنتهي بالمنتج النهائي.
وبالموازاة مع ذلك، شكل رواق الحيوانات الأليفة أحد أبرز الفضاءات التي استقطبت اهتمام الزوار، حيث تم عرض سلالات مختلفة من القطط والكلاب، بعضها نادر أو مستورد، وأخرى ناتجة عن عمليات تهجين محلية، ما يعكس التطور الملحوظ في سوق تربية الحيوانات الأليفة بالمغرب، الذي لم يعد يقتصر على الاستعمالات التقليدية للحراسة أو البادية، بل توسع ليشمل أنماطا جديدة من التربية داخل المنازل، مدفوعا بتغيرات اجتماعية وثقافية وبانتشار ثقافة الرفق بالحيوان والتأثر بالأنماط العالمية.
وأوضح عدد من المهنيين العارضين أن هذه السوق تعرف نموا تدريجيا، مدعوما بارتفاع الطلب على الخدمات المرتبطة بها، مثل التغذية المتخصصة، والرعاية البيطرية، والتطعيمات، فضلا عن اقتناء سلالات ذات مواصفات خاصة. مشيرين إلى أن الأسعار تختلف بشكل كبير حسب السلالة والخصائص الجينية ومصدر الحيوان، حيث يتم استيراد بعض الأنواع من دول أوروبية قبل إعادة تطويرها أو تهجينها محليا داخل مراكز متخصصة.
ويبرز من خلال مختلف الأروقة أن المعرض الدولي للفلاحة بمكناس، لم يعد مجرد فضاء لعرض المنتجات الفلاحية التقليدية، بل تحول إلى منصة اقتصادية شاملة تعكس تعدد الرهانات المرتبطة بالقطاع القروي، حيث تتقاطع الفلاحة مع الصناعة، والابتكار، والتجارة الحديثة، والاستثمار في القطاعات الناشئة.
وشهد قطاع الدواجن، خلال النسخة الثامنة عشرة من المعرض الدولي للفلاحة بالعاصمة الإسماعيلية، دينامية لافتة، بعدما استقطبت سلالات أجنبية نادرة من الدجاج اهتمام الزوار والمهنيين على حد سواء، لما تجمعه بين قدرات إنتاجية مرتفعة ومواصفات جمالية مميزة.
كما سجلت هذه الدورة حضورا جماهيريا لافتا، عكس اهتماما متزايدا لدى الزوار بمختلف مكونات العرض، من منتجات مجالية إلى مشاريع صناعية جديدة، في مؤشر على تحول المعرض إلى فضاء للتفاعل بين الفاعلين الاقتصاديين والمهنيين والمستهلكين، وليس فقط منصة عرض تقليدية.
وبين المنتجات الفلاحية الأصيلة والقطاعات الجديدة الصاعدة، يقدم المعرض الدولي للفلاحة بالعاصمة الإسماعيلية صورة شاملة عن مسار تحول الاقتصاد القروي الوطني، الذي يتجه نحو تنويع مصادر دخله، وتوسيع قاعدة استثماراته، والانفتاح على أسواق جديدة، في إطار رؤية تراهن على الاستدامة، والتثمين، والابتكار كركائز أساسية للتنمية الفلاحية المستقبلية.





