فوضى النقل بمكناس تفضح غياب التخطيط في زمن التظاهرات الكبرى

حسين العياشي
عاشت مكناس، مساء الأحد، على إيقاع اختناقٍ غير مسبوق في حركة التنقل، بدا كأنه اختبار قاسٍ لقدرة المدينة على تدبير قطاع حيوي في لحظة ذروة استثنائية، تزامنت مع توافد آلاف الزوار على فعاليات المعرض الدولي للفلاحة. لم تكن الأزمة مجرد ضغط عابر، بل تحولت إلى مشهد مكثف يكشف هشاشة البنية التنظيمية للنقل الحضري، ويضع علامات استفهام ثقيلة حول جاهزية المنظومة لمواجهة فترات الذروة.
في محطات الحافلات، امتد الانتظار إلى ما يشبه الزمن المفتوح، ساعات طويلة قضاها المواطنون في الترقب، قبل أن تتحول الأرصفة إلى فضاءات توتر مكتوم، سرعان ما انفلت في شكل فوضى غير مسبوقة. ومع تراجع حضور الحافلات وندرة سيارات الأجرة، بدأت المدينة تعيد تشكيل وسائل نقلها بشكل عفوي وخارج كل الضوابط: سيارات خاصة دخلت على الخط، نقل سري يتمدد بلا حسيب، ونقل مزدوج تجاوز حدوده الترابية ليغزو قلب المجال الحضري.
هذا الاختراق لم يكن مجرد خرق تقني لقواعد السير، بل عكس فراغاً تنظيمياً واضحاً، فتح المجال أمام منطق العرض والطلب في أبسط تجلياته وأكثرها فوضوية. على قارعة الطريق، كانت المساومات تجري بشكل يومي: سائق سيارة خاصة يحدد تسعيرة الرحلة حسب المزاج والطلب، والنقل المزدوج يعرض خدماته بأثمان أقل، في سباق غير متكافئ خارج أي إطار قانوني. وبين هذا وذاك، وجد المواطن نفسه عالقاً بين الحاجة إلى التنقل وغياب أي ضمانة للسلامة أو التسعيرة أو حتى الوجهة.
والمفارقة أن هذا الانفلات لم يكن وليد لحظته فقط، بل تغذى أيضاً من اختلالات بنيوية داخل القطاع نفسه. فسيارات الأجرة، التي يفترض أن تشكل العمود الفقري للتنقل الحضري، لم تكن بعيدة عن دائرة الانتقاد، إذ اختار عدد من السائقين التمركز في الخطوط الأكثر ربحية، تاركين أحياء كاملة خارج التغطية، في مشهد يعمّق الإحساس بعدم العدالة المجالية داخل المدينة.
وسط هذا المشهد المتشابك، يطفو سؤال بسيط في صياغته، عميق في دلالاته: هل كانت هذه الأزمة مفاجئة فعلاً؟ أم أنها نتيجة مباشرة لغياب التخطيط الاستباقي؟ فمدينة تعرف سلفاً ضغطاً استثنائياً بسبب تظاهرة دولية بهذا الحجم، كان من المفترض أن تواكبها إجراءات استثنائية، على رأسها تعزيز أسطول الحافلات، وتمديد ساعات العمل، وتعبئة مختلف الفاعلين لضمان حد أدنى من الانسيابية.
لكن ما حدث على الأرض كشف أن تدبير النقل ما يزال أسير منطق رد الفعل، لا منطق التوقع. تُترك الأزمة حتى تنفجر، ثم يُبحث لها عن حلول ظرفية، غالباً ما تأتي متأخرة، تاركة المواطن وحده في مواجهة تبعاتها المباشرة.
ما عاشته مكناس ليس حادثاً معزولاً يمكن طيه مع نهاية التظاهرة، بل هو مرآة تعكس أعطاباً أعمق في طريقة تدبير قطاع النقل الحضري، أعطاباً تتجاوز الوسائل إلى غياب رؤية مندمجة تضع المواطن في قلب المعادلة. فحين تتحول المدينة إلى فضاء للفوضى عند أول اختبار حقيقي، يصبح السؤال أكبر من أزمة عابرة، ويغدو مرتبطاً بقدرة السياسات العمومية على ضمان حق أساسي: التنقل في كرامة وأمان.
وإلى أن يتم استيعاب دروس هذا الاختبار، سيظل الخوف قائماً من أن تتحول الاستثناءات إلى قاعدة، وأن يصبح الانتظار الطويل، والنقل العشوائي، والتدبير المرتجل، جزءاً عادياً من يوميات مدينة كانت، إلى وقت قريب، تراهن على أن تكون في مستوى مواعيدها الكبرى.





