بوعزة يراهن على الحوار الاجتماعي ويدعو لنقله من القاعات إلى الواقع

حسين العياشي
أكّد النائب البرلماني عبد الرحيم بوعزة، خلال جلسة الأسئلة الشفوية، أن السلم الاجتماعي ليس مجرد شعار ظرفي يُستدعى عند الحاجة، بل هو خط أحمر يعلو فوق الحسابات السياسية الضيقة، ويؤطر في عمقه توازنات دقيقة بين مطالب الشغيلة وإكراهات الاقتصاد الوطني، في لحظة تتزايد فيها رهانات الاستقرار الاجتماعي على وقع تحولات اقتصادية واجتماعية متسارعة.
وجاءت مداخلة بوعزة، لتمنح صورة مختلفة عن منسوب التفاعل السياسي مع ملف الحوار الاجتماعي، حيث اختار النائب الإشادة بطريقة تدبير الحكومة لهذا الورش، معتبراً أن انتظام جولات الحوار وتواتر اللقاءات بين الشركاء الاجتماعيين لم يعد مجرد إجراء شكلي، بل تحول إلى ممارسة مؤسساتية قارة، تعكس إرادة في تأطير التفاوض الاجتماعي ضمن قواعد واضحة ومستقرة.
هذا التوصيف لا ينفصل عن سياق أوسع يسعى إلى إعادة بناء الثقة بين الفاعلين الاجتماعيين، خاصة بعد سنوات طبعها التوتر والقطيعة في بعض المحطات. فالحوار، كما قدّمه بوعزة، لم يعد ترفاً سياسياً، بل أداة ضرورية لضبط العلاقات المهنية وتفادي انزلاقات قد تمس توازن السوق أو تُربك الاستقرار الاجتماعي.
وفي امتداد لهذا المنحى، توقف النائب عند إخراج القانون التنظيمي المتعلق بالإضراب، معتبراً أن المسار الذي سلكه هذا النص، سواء داخل البرلمان أو في محيطه النقابي والحقوقي، يعكس محاولة لبناء توازن دقيق بين صون حق دستوري مشروع وضمان استمرارية المرافق الحيوية. وهو توازن ظل، لسنوات، محل تجاذب حاد بين مختلف الفاعلين، قبل أن يجد طريقه نحو التأطير القانوني.
ولم يفت بوعزة أن يسلط الضوء على بعض الإجراءات ذات الطابع الاجتماعي التي همّت فئات واسعة من الأجراء، مشيراً على وجه الخصوص إلى قرار تخفيض ساعات العمل بالنسبة لحراس الأمن الخاص، وهي خطوة اعتبرها ذات دلالة رمزية وعملية في الآن نفسه، لما تحمله من اعتراف بأوضاع مهنية ظلت لسنوات في هامش النقاش العمومي، رغم ما تفرضه من أعباء يومية قاسية.
غير أن المداخلة لم تكتف بتثمين المنجز، بل انفتحت على أفق أوسع، من خلال الدعوة إلى تعميق هذا المسار وتوسيعه ليشمل الحوارات القطاعية على المستوى الترابي. فخصوصيات كل قطاع، واختلاف الإشكالات من مجال إلى آخر، تفرض – بحسب هذا الطرح – مقاربة أكثر قرباً من الواقع، قادرة على التقاط التفاصيل الدقيقة التي قد تغيب عن الطاولات المركزية للحوار.
بهذا المعنى، يبدو أن الرهان لم يعد مقتصراً على استمرار الحوار الاجتماعي في صيغته التقليدية، بل يتجه نحو إعادة هندسته ليصبح أكثر شمولاً ونجاعة، بما يضمن معالجة القضايا القطاعية في سياقاتها الخاصة، ويعزز في الآن ذاته شروط السلم الاجتماعي كرافعة أساسية للاستقرار والتنمية.
وفي خلفية هذا النقاش، يطفو سؤال جوهري: كيف يمكن تحويل هذا التوافق الظرفي إلى تعاقد اجتماعي مستدام؟ سؤال يضع الفاعلين السياسيين والنقابيين على حد سواء أمام اختبار حقيقي، عنوانه الانتقال من تدبير الأزمات إلى بناء توازنات دائمة قادرة على حماية الاستقرار الاجتماعي وصون كرامة الشغل في آن واحد.





