بلوان لـ “إعلام تيفي”: المغرب يحول ملف الهجرة إلى ورقة قوة داخل إفريقيا

أميمة حدري

أعادت المبادرة الإنسانية الجديدة التي جمعت بين المغرب وغينيا تسليط الضوء على متانة العلاقات الثنائية بين الرباط وكوناكري، بعدما شملت عملية عودة طوعية لمواطنين غينيين إلى بلدهم الأصلي، في إطار تنسيق مشترك هم نقل المستفيدين على متن طائرة تابعة للخطوط الملكية المغربية انطلقت من مدينة الداخلة نحو مطار كوناكري الدولي، مع توفير مواكبة طبية ونفسية للمستفيدين، خاصة بعد تعرض عدد منهم لحادث غرق بالمياه الإقليمية للمملكة.

الخطوة لقيت إشادة رسمية من الجانب الغيني، حيث عبر وزير الشؤون الخارجية والاندماج الإفريقي والغينيين المقيمين بالخارج عن تقدير بلاده لهذه المبادرة، مؤكدا أن غينيا ستظل تتذكر هذه الالتفاتة الإنسانية التي تضاف إلى مبادرات أخرى قامت بها المملكة المغربية، معتبرا أن ما جرى يعكس مستوى التعاون القائم بين البلدين ويترجم عمق الروابط السياسية والإنسانية التي تجمع الرباط وكوناكري.

وتأتي هذه المبادرة في سياق أوسع يرتبط بتطور العلاقات المغربية الإفريقية خلال السنوات الأخيرة، إذ يواصل المغرب ترسيخ حضوره داخل القارة من خلال شراكات استراتيجية متعددة الأبعاد، تقوم على التعاون الاقتصادي والتنسيق السياسي والدعم التنموي، في إطار رؤية ثابتة ترتكز على تعزيز منطق التعاون جنوب-جنوب، والانفتاح على مختلف الدول الإفريقية وفق مقاربة قائمة على المصالح المشتركة والتنمية المتبادلة.

كما تندرج العملية ضمن السياسة المغربية في تدبير ملف الهجرة، حيث تضع المملكة المهاجرين الأفارقة في صلب مقاربتها الإنسانية، عبر برامج اجتماعية وصحية وقانونية تروم مواكبة المهاجرين الموجودين في وضعيات خاصة، بما يضمن احترام الكرامة الإنسانية، ويكرس رؤية شمولية لمعالجة هذا الملف المعقد، بعيدا عن المقاربات الأمنية الصرفة.

المغرب يرسخ حضوره داخل إفريقيا بشراكات متعددة الأبعاد

وفي قراءته لدلالات هذه الخطوة، أكد الباحث في العلاقات الدولية حسن بلوان أن العلاقات المغربية الإفريقية تستند إلى جذور تاريخية عميقة، تمتزج فيها الأبعاد الدينية والاقتصادية والروحية والسياسية والدبلوماسية، مشيرا إلى أن هذه العلاقات ظلت قوية واستراتيجية بفضل العمل الذي قادته الدبلوماسية الملكية خلال السنوات الماضية، والذي ساهم في توسيع دائرة الشراكات المغربية داخل القارة.

وأوضح بلوان في تصريح لـ “إعلام تيفي” أن عددا من الدول الإفريقية التي كانت تتبنى في السابق مواقف معادية للوحدة الترابية للمملكة غادرت ما وصفه بـ “منطقة الرمادية”، وأصبحت اليوم تقيم علاقات استراتيجية مع المغرب، سواء على المستوى الاقتصادي أو الأمني أو الدبلوماسي، كما عبرت عدة عواصم إفريقية عن دعمها الواضح لمغربية الصحراء.

وسجل المتحدث أن التحول البارز في العقيدة الدبلوماسية المغربية برز بشكل أكبر منذ قرار عودة المغرب إلى الاتحاد الإفريقي سنة 2017، وهو القرار الذي مكن المملكة من الحفاظ على علاقاتها التقليدية المتينة مع دول غرب إفريقيا، بالتوازي مع فتح آفاق جديدة للتعاون مع بلدان شرق ووسط القارة، ما عزز الحضور المغربي داخل المؤسسات الإفريقية ورسخ مكانته كشريك موثوق.

وأضاف الباحث أن العلاقات المغربية الإفريقية تقوم كذلك على عنصر أساسي يتمثل في القوة الناعمة، وعلى رأسها البعد الروحي والديني الذي يجسده أمير المؤمنين الملك محمد السادس، مبرزا أن عددا من الدول الإفريقية ترتبط تاريخيا بالموروث الديني المغربي وبالطرق والزوايا ذات الامتداد المغربي، وهو ما يمنح المملكة حضورا مؤثرا على المستويين الثقافي والروحي، إلى جانب الحضور الاقتصادي والرياضي المتنامي.

وأشار المتحدث ذاته إلى أن المغرب يعتمد في تعامله مع شركائه الأفارقة مبدأ رابح-رابح، بما يجعل هذه العلاقات ذات منفعة متبادلة، مضيفا أن المملكة دافعت باستمرار عن القضايا العادلة للقارة الإفريقية داخل المحافل الدولية، وسعت إلى بناء تعاون متوازن يحترم سيادة الدول ويستجيب لأولويات التنمية بالقارة.

الهجرة.. من بلد عبور إلى بلد استقرار

وبخصوص ملف الهجرة، شدد بلوان على أن المغرب تحول تدريجيا خلال العقود الأخيرة من بلد عبور نحو أوروبا إلى بلد للاستقرار، وهو ما فرض اعتماد مقاربة متعددة الأبعاد تستجيب للالتزامات الدولية المرتبطة بحقوق الإنسان وحقوق المهاجرين، بالتوازي مع تسريع إجراءات قانونية لتسوية أوضاع عدد من المهاجرين الأفارقة المقيمين بالمملكة.

وأضاف أن هذه السياسة رفعت من رصيد المغرب على المستوى الدولي والإفريقي، خاصة بالمقارنة مع تجارب أخرى تتعامل مع ملف الهجرة بمنطق لا ينسجم مع قيم الانتماء الإفريقي والتضامن القاري، مبرزا في المقابل أن المملكة تواصل مطالبة الاتحاد الأوروبي بتحمل مسؤوليته الكاملة في هذا الملف، باعتبار أن تدبير الهجرة غير النظامية لا يمكن أن يبقى عبئا تتحمله دول العبور وحدها.

وأكد المحلل السياسي  أن المبادرات التي يطلقها المغرب في هذا المجال، سواء من خلال الاستقبال أو المعاملة الإنسانية أو التدابير الاجتماعية والقانونية، تنسجم مع هذا التوجه العام، غير أن التحديات تبقى قائمة في ظل تزايد أعداد المهاجرين الذين كانوا يطمحون إلى العبور نحو أوروبا، قبل أن يتحول المغرب بالنسبة إليهم إلى بلد إقامة واستقرار.

وسجل أن هذا المعطى يطرح تحديات اجتماعية واقتصادية مرتبطة بالسكن وفرص الشغل والاندماج، كما يفرز في بعض الحالات إشكالات أمنية ظهرت في عدد من المدن الكبرى، ما يستدعي استمرار المقاربة المتوازنة التي تجمع بين البعد الإنساني ومتطلبات التنظيم والتدبير.

وختم الباحث تصريحه لـ “إعلام تيفي” بالتأكيد على أن المغرب يواصل التحكم في هذه الظاهرة بشكل شامل رغم الإكراهات المطروحة، سواء في علاقته بالدول الإفريقية أو في علاقته بالدول الأوروبية، بالنظر إلى موقعه الاستراتيجي باعتباره بوابة وصل وجسر تواصل بين القارتين الإفريقية والأوروبية، وهو ما يمنحه دورا محوريا في صياغة مقاربات جديدة للهجرة والتعاون الإقليمي.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى