حين تقود الرقمنة إلى الشارع.. تجار يدفعون ثمن التعقيد الإداري

حسين العياشي
أعاد إغلاق عدد من المحلات التجارية في الآونة الأخيرة، بدعوى عدم التوفر على ترخيص عبر المنصة الرقمية “رخص”، طرح أسئلة عميقة حول حدود الانتقال الرقمي حين يصطدم بواقع اجتماعي واقتصادي هش، وحول الكلفة غير المحسوبة أحياناً لقرارات إدارية تُطبّق بمنطق موحد على أوضاع متفاوتة.
ففي مشاهد متكررة بعدد من المدن، وجد تجار صغار ومتوسطون أنفسهم أمام أبواب موصدة، ليس بسبب مخالفات تمس سلامة المستهلك أو النظام العام، بل لغياب وثيقة رقمية لم يتمكنوا من استصدارها في الوقت المناسب. وهي وضعية بدت، بالنسبة لكثيرين، أقرب إلى فجوة بين النص والتطبيق، أكثر منها خللاً في الامتثال.
هذا الجدل سرعان ما انتقل إلى المؤسسة التشريعية، حيث وجّهت النائبة البرلمانية فاطمة الزهراء باتا سؤالاً كتابياً إلى وزارة الصناعة والتجارة، واضعةً الملف في سياق أوسع يتجاوز الإجراء الإداري في حد ذاته، ليلامس تداعياته المباشرة على فئة من المهنيين الذين راكموا سنوات من العمل، واستمروا في أداء التزاماتهم الجبائية رغم تقلبات السوق وتراجع هوامش الربح.
وتبرز المفارقة، كما تشير المعطيات المثارة، في توقيت هذه الإجراءات، إذ تأتي في ظرف اقتصادي دقيق، تتزايد فيه الضغوط على القدرة الشرائية، وتتعاظم فيه كلفة التشغيل بالنسبة للتجار، ما يجعل أي قرار بالإغلاق لا يقتصر أثره على نشاط تجاري معزول، بل يمتد ليهدد توازنات اجتماعية هشة، ترتبط بدخل أسر بأكملها.
غير أن جوهر الإشكال، كما يطفو من خلال هذا النقاش، لا يكمن فقط في مبدأ الترخيص في حد ذاته، بل في شروط الولوج إليه. فاعتماد منصة “رخص” كمسار رقمي موحد، وإن كان يعكس توجهاً نحو تحديث الإدارة وتبسيط المساطر، إلا أنه يطرح في المقابل سؤال الجاهزية الرقمية لدى مختلف الفئات المهنية، خاصة أولئك الذين يفتقرون إلى التأطير التقني أو إلى مواكبة فعلية تمكّنهم من التكيف مع هذا التحول.
وفي هذا السياق، تتحول الرقمنة، التي يفترض أن تكون أداة للتيسير، إلى عائق إضافي حين لا تستكمل بحلول مرافقة تراعي الفوارق في الإمكانيات والمهارات، وهو ما يجعل بعض المهنيين في وضعية “إقصاء غير معلن” من الولوج إلى الخدمة العمومية، رغم انخراطهم الفعلي في الدورة الاقتصادية.
وقد دفعت هذه المعطيات النائبة البرلمانية إلى مساءلة الوزارة حول الإجراءات المزمع اتخاذها لمراجعة أو توقيف قرارات الإغلاق في حق المتضررين، مع التأكيد على ضرورة ضمان ولوج منصف وسلس إلى مسطرة الترخيص، بما يحقق التوازن بين احترام القانون وعدم الإضرار بنسيج اقتصادي هش.
كما يبرز في صلب هذا النقاش مطلب اعتماد مقاربة انتقالية، لا تنظر إلى الوضعية القانونية للمحلات بمعزل عن تاريخها ونشاطها الفعلي، بل تأخذ بعين الاعتبار مسارها داخل السوق، بما يسمح بتسوية أوضاعها بشكل تدريجي دون اللجوء إلى قرارات فجائية قد تكون كلفتها الاجتماعية أكبر من مكاسبها الإدارية.
وفي العمق، يعيد هذا الجدل طرح سؤال أوسع يتعلق بكيفية تنزيل الإصلاحات الإدارية والرقمية على أرض الواقع: هل تُفهم باعتبارها مسارا تشاركيا يراعي تفاوتات الفاعلين، أم كإجراءات معيارية تُطبّق بشكل أفقي، ولو على حساب فئات تجد نفسها، بين ليلة وضحاها، خارج دائرة النشاط؟
بين منطق التنظيم وضرورات الاستمرارية، يبدو أن التحدي الحقيقي لا يكمن في فرض القواعد، بل في هندسة مسارات تطبيقها، بما يضمن إدماج الجميع داخل منطق الإصلاح، بدل تحويله إلى عامل إقصاء جديد في سياق اقتصادي لا يحتمل مزيداً من الهشاشة.





