المياومون خارج الحسابات..مطالب رقمية بمراجعة معايير السلامة المهنية

بشرى عطوشي

تحليل _ بموازاة اقتراب فاتح ماي، برز على منصات التواصل الاجتماعي بالمغرب حراك رقمي لافت، توحّدت فيه منشورات متشابهة تدعو إلى تقليص وزن أكياس الإسمنت من 50 كيلوغراماً إلى 25 كيلوغراماً. مطلب يبدو تقنياً في ظاهره، لكنه في جوهره يعكس إشكالاً بنيوياً في شروط العمل داخل قطاع البناء، حيث ما تزال معايير السلامة المهنية متأخرة مقارنة بالتطورات التشريعية والصحية المعتمدة دولياً.

المعطيات الطبية في هذا الباب مستقرة: حمل أوزان تفوق 20 إلى 25 كيلوغراماً بشكل متكرر يرفع بشكل ملحوظ من مخاطر الإصابة بأمراض العمود الفقري، بما في ذلك الانزلاق الغضروفي وتآكل الفقرات.

ورغم ذلك، يواصل آلاف العمال في الأوراش المغربية التعامل يومياً مع أكياس بوزن 50 كيلوغراماً، تُنقل يدوياً في ظروف تفتقر في كثير من الحالات لوسائل الرفع أو الحماية الأساسية، خصوصاً في الأوراش الصغيرة والمتوسطة التي تستوعب نسبة مهمة من اليد العاملة غير المهيكلة.

هذا الواقع يطرح مسؤولية متعددة المستويات. شركات تصنيع الإسمنت مطالبة بمراجعة مواصفات المنتج، إذ لا يزال تسويق الأكياس الكبيرة هو القاعدة، رغم أن تقليص الوزن إلى 25 كيلوغراماً معمول به في عدد من الأسواق الدولية لأسباب تتعلق بالسلامة وسهولة التداول.

في المقابل، يتحمل أرباب أوراش البناء والمقاولات مسؤولية تنظيم العمل وتوفير الوسائل التقنية التي تقلل الاعتماد على الحمل اليدوي، وهو ما لا يتم في كثير من الحالات بدعوى الكلفة أو ضعف المراقبة.

في خلفية هذا النقاش، تبرز مفارقة اجتماعية لافتة تستحق التوقف عندها، فداخل نفس الدورة الاقتصادية التي تُنتج الثروة عبر قطاعات كالبناء وموادّه الأساسية، يتكرّس تباين واضح في المسارات الاجتماعية والصحية.

فبينما يتحمّل العامل المياوم الكلفة الجسدية المباشرة لظروف عمل قاسية، تتيح نفس المنظومة لفئات ميسورة الولوج إلى مسارات تعليمية وصحية متقدمة، من بينها التخصصات الطبية.

هذه المفارقة لا تُطرح من باب المفاضلة الأخلاقية بين الفئات، بل لتسليط الضوء على غياب التوازن في توزيع المخاطر والعوائد، حيث تتحول الأعباء الصحية الناجمة عن العمل الشاق إلى جزء من الطلب على خدمات علاجية، بدل أن تكون موضوع سياسات وقائية تحدّ من أصل المشكلة.

في المقابل، يُسجل غياب نسبي لهذا الملف ضمن أولويات النقاش النقابي، الذي يركّز في الغالب على الأجور والتغطية الاجتماعية، دون إيلاء نفس الأهمية لشروط العمل اليومية، خاصة بالنسبة لفئة العمال المياومين الذين يشتغلون خارج عقود مستقرة ولا يستفيدون من حماية فعلية في مجال الصحة المهنية. هذه الفئة تمثل الحلقة الأضعف في سلسلة الإنتاج، وهي الأكثر تعرضاً لمخاطر مهنية طويلة الأمد دون تعويض أو تتبع طبي منتظم.

اقتصادياً، لا يبدو أن الانتقال إلى أكياس بوزن 25 كيلوغراماً يشكل عائقاً حقيقياً، بل قد ينعكس إيجاباً على المردودية عبر تقليص الإصابات وحوادث الشغل، وما يترتب عنها من توقفات وخسائر غير مباشرة. كما أن هذا الإجراء يمكن أن يندرج ضمن سياسة أوسع لتحسين شروط السلامة في الأوراش، بما يتماشى مع التزامات المغرب في مجال العمل اللائق.

بناءً على ذلك، يطرح مطلب توحيد وزن أكياس الإسمنت في 25 كيلوغراماً كحد أقصى كمدخل عملي وقابل للتنفيذ لتحسين ظروف العمل في قطاع حيوي يشغّل أعداداً كبيرة من اليد العاملة. وهو مطلب لا يتطلب استثمارات هيكلية كبيرة بقدر ما يحتاج إلى قرار تنظيمي واضح، يواكبه تفعيل فعلي لآليات المراقبة.

فاتح ماي، في هذا السياق، لا يختزل فقط في المطالبة برفع الأجور، بل يفتح نقاشاً أوسع حول جودة العمل نفسه. إذ لا معنى لأي مكسب مادي في غياب الحد الأدنى من الحماية الجسدية للعامل، خاصة في مهن تُبنى فيها الأرباح، حرفياً، على الأكتاف.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى