تهيئة بحيرة مارتشيكا.. من بؤرة بيئية سوداء إلى قطب سياحي واقتصادي مستدام

بشرى عطوشي
تقرير _ تعمل وكالة تهيئة موقع بحيرة مارتشيكا على تحويل هذه الأخيرة من بؤرة بيئية سوداء إلى قطب سياحي واقتصادي مستدام، وهو الهدف الذي تأسست الوكالة من أجله في سنة 2010، حيث أخذت على عاتقها إعادة الاعتبار لهذه البحيرة التي تعد من أكبر البحيرات في حوض البحر الأبيض المتوسط.
وفي هذا الشأن وجب التذكير بأنه قبل تدخل الوكالة كانت البحيرة تعاني من اختناق بيئي حاد نتيجة تراكم النفايات والمياه العادمة.
تحسين جودة المياه وعودة التنوع البيولوجي
وقامت الوكالة في هذا الصدد، بإنشاء قناة بطول 1.5 كلم وعرض 300 متر لربط البحيرة بالبحر الأبيض المتوسط، حيث ساعد ذلك على تجديد مياه البحيرة وضمان حركة التيارات المائية، مما أدى إلى تحسين جودة المياه وعودة التنوع البيولوجي.
وعملت الوكالة على استخراج ملايين الأمتار المكعبة من الأوحال الملوثة التي تراكمت لعقود على ضفاف البحيرة.
بالمقابل اتخذت الوكالة تدابير صارمة لوقف مصادر التلوث من المنبع حيث قامت بالتعاون مع المكتب الوطني للكهرباء والماء الصالح للشرب، تم تعميم شبكة التطهير السائل في المناطق المحيطة بالبحيرة (الناظور، بني انصار، وقرية أركمان) لمنع صب المياه العادمة مباشرة في الحوض.
وأشرفت على بناء محطات معالجة حديثة تستخدم تقنيات متطورة لضمان عدم وصول أي ملوثات كيميائية أو عضوية إلى مياه البحيرة.
الوكالة لم تكتف بالتنظيف بل عملت على خلق توازن بيئي جديد وقامت تحويل أجزاء من الحوض إلى محميات طبيعية، حيث عادت مئات الأنواع من الطيور المهاجرة (مثل النحام الوردي) للاستقرار في المنطقة بعد تحسن جودة البيئة.
وحفاظا على الغطاء النباتي، فقد ساهمت المؤسسة في تشجير المناطق المحيطة بمشاريع التهيئة لمنع انجراف التربة وتلطيف الجو، مما ساهم في خلق “رئة خضراء” لمدينة الناظور.
نظام مراقبة دقيق
وتعتمد الوكالة على نظام مراقبة دقيق لجودة المياه والهواء في الحوض من خلال المختبرات البيئية عن طريق تتبع دوري للمعايير الفيزيائية والكيميائية للمياه للتأكد من مطابقتها للمعايير الدولية.
وساهمت في التحسيس والتوعية عبر إشراك الساكنة المحلية والصيادين في الحفاظ على نظافة البحيرة باعتبارها مورداً اقتصادياً حيوياً.
برنامج استثماري طموح
قبل أسابيع قليلة أطلقت وكالة تهيئة موقع بحيرة مارشيكا برنامجا استثماريا طموحا (2026-2027) بغلاف مالي قدره 900 مليون درهم.
البرنامج يركز على التأهيل الحضري لمدينة الناظور (حي الدامير، شارع محمد الخامس، وجنان المطار) وتطوير “بني أنصار”، مع التزام بيئي صارم يشمل صيانة وتثمين 20 هكتارا من المساحات الخضراء واعتماد المياه المعالجة للسقي.
بفضل هذه الجهود، تحولت “مارتشيكا” من منطقة ملوثة كانت تشكل خطراً صحياً إلى وجهة سياحية عالمية (Eco-Destination) تجمع بين التنمية الاقتصادية والحفاظ على الطبيعة، وهو ما جعل التجربة المغربية في هذا المجال تُصدر لدول أفريقية أخرى (مثل مشروع تهيئة خليج كوكودي في كوت ديفوار).
لم تكن عملية تنقية بحيرة مارتشيكا مجرد ترف بيئي، بل كانت المحرك الأساسي لتغيير وجه المنطقة اقتصادياً واجتماعياً.
آثار التحول السوسيو اقتصادي على ساكنة الناظور
ساهمت مشاريع الوكالة في امتصاص نسبة هامة من البطالة عبرأوراش البناء والتهيئة، حيث تطلبت مشاريع الكورنيش، الفنادق، والإقامات السكنية آلاف العمال والتقنيين والمهندسين من أبناء المنطقة.
ومع افتتاح الفنادق (مثل فندق مارتشيكا لاغون) والمطاعم والمرافق الترفيهية، تم خلق فرص شغل قارة في قطاعات السياحة والخدمات.
وعملت الوكالة بالتنسيق مع مراكز التكوين المهني لتأهيل الشباب المحلي في مهن الفندقة، السياحة، والبستنة لضمان استفادتهم المباشرة من المشاريع.
تحسين المشهد الحضري وجودة العيش
قبل المشروع، كانت الواجهة البحرية مهملة ومنفرة، إلا أنه مع هذه المشاريع أصبح “كورنيش الناظور” المتنفس الأول للعائلات، حيث يمتد لمسافات طويلة بمواصفات عالمية، تضم مساحات خضراء وملاعب رياضية.
وارتفعت قيمة العقارات في المناطق المحيطة بالحوض بشكل كبير، مما ساهم في عصرنة الأحياء المجاورة وتطوير بنيتها التحتية (طرق، إنارة، أرصفة).
وفي الوقت الذي كان فيه التلوث يهدد لقمة عيش آلاف الصيادين، وبفضل تنقية المياه، عادت أنواع كثيرة من الأسماك والقشريات للتكاثر في البحيرة، مما رفع من مردودية الصيد التقليدي.
وقامت الوكالة بإنشاء “نقط تفريغ” مجهزة ومنظمة، مما حسن ظروف عمل الصيادين وحافظ على كرامتهم.
السياحة كرافعة اقتصادية بديلة
الناظور التي كانت تعتمد تاريخياً على التجارة الحدودية والتهريب المعيشي، أصبحت تملك بديلاً اقتصادياً مهيكلاً:
ويبقى نجاح مشروع مارتشيكا المشجع الرئيسي للاستثمار وتشجيع لقطاع الخاص على بناء مراكز تجارية ومشاريع سياحية كبرى.
وبفضل البنية التحتية الجديدة، أصبحت المدينة قادرة على احتضان تظاهرات وطنية ودولية، مما ينعش الرواج التجاري طيلة السنة وليس فقط في فصل الصيف.
الجانب الثقافي في بحيرة مارتشيكا
لم يتم إغفال الجانب الثقافي، حيث تم دمج الهندسة المعمارية المحلية (الريفية) في تصاميم المنشآت، دعم الصناعة التقليدية المحلية من خلال تخصيص فضاءات لعرض المنتجات اليدوية للسياح.
مشروع تهيئة حوض مارتشيكا هو “مشروع جيل”، نقل الناظور من مدينة حدودية ببيئة متضررة إلى قطب متوسطي واعد، حيث أصبح المواطن يشعر بالفخر بالانتماء لمدينة نظيفة وعصرية تفتح له آفاقاً مهنية جديدة.





