المحاماة على مفترق طرق.. هل تُغلق أبوابها في وجه أبناء الطبقة المتوسطة؟

حسين العياشي

متابعة_ سجّل النقاش البرلماني حول مشروع القانون المنظم لمهنة المحاماة لحظة توتر تشريعي لافتة، بعدما تحوّل الخلاف حول شروط الولوج إلى المهنة من مجرد اختلاف تقني إلى مواجهة صريحة بين تصورين: أحدهما يدفع نحو تشديد شروط الولوج بدعوى الرفع من الجودة، وآخر يحذر من انزلاق صامت نحو إقصاء اجتماعي مقنّع تحت غطاء الإصلاح.

داخل لجنة العدل والتشريع وحقوق الإنسان، لم يكن الجدل عادياً، بل حمل نبرة اعتراض عابرة للأغلبية والمعارضة، في مشهد نادر يوحي بأن النص المعروض لا يثير فقط تساؤلات قانونية، بل يلامس عمق التوازنات الاجتماعية المرتبطة بإحدى أكثر المهن حساسية داخل منظومة العدالة. فقد وجدت مقتضيات تحديد سن أقصى في 40 سنة، واشتراط التوفر على شهادة الماستر، نفسها في قلب عاصفة من الانتقادات التي رأت فيها أصوات برلمانية متعددة تهديداً مباشراً لمبدأ تكافؤ الفرص.

في هذا السياق، اعتبرت البرلمانية لبنى الصغير أن المشروع، بصيغته الحالية، لا يعكس مجرد تنظيم مهني، بل يؤسس لما وصفته بـ”غربلة اجتماعية” قد تعيد رسم خريطة الولوج إلى المهنة على أسس لا ترتبط بالضرورة بالكفاءة. فاشتراط الماستر، في نظرها، لا يمكن فصله عن واقع الجامعة المغربية واختلالات الولوج إلى سلك الدراسات العليا، ما يجعله شرطاً يحمل في طياته تمييزاً غير مباشر، خصوصاً في حق الطلبة المنحدرين من أوساط اجتماعية أو مجالية أقل حظاً.

ولم يكن شرط السن أقل إثارة للجدل، إذ اعتبرته المتحدثة نفسها إجراءً يفتقر إلى السند الموضوعي، ويؤسس لتمييز صريح على أساس العمر، في تناقض مع روح الدستور. وهو الطرح الذي وجد صداه لدى النائبة مليكة الزخنيني، التي ذهبت أبعد من ذلك حين ربطت بين هذا الشرط وبين واقع عدم انتظام مباريات الولوج، معتبرة أن الجمع بينهما قد يحوّل المسار المهني لآلاف الخريجين إلى رهينة لعامل الزمن والحظ، بدل أن يكون نتاجاً للاستحقاق والكفاءة.

هذا القلق لم يقتصر على المعارضة، بل امتد إلى مكونات من الأغلبية، حيث شدد النائب نور الدين مضيان على خصوصية مهنة المحاماة باعتبارها مهنة حرة لا ينبغي إخضاعها لمنطق الوظيفة العمومية وشروطها الإدارية الصارمة. فالسوق، في تقديره، كفيل بفرز المؤهلين، بينما قد يؤدي وضع سقف عمري إلى إقصاء كفاءات اختارت الالتحاق بالمهنة بعد مسارات مهنية مختلفة، في وقت تحتاج فيه العدالة إلى تنوع التجارب لا إلى تضييقها.

وفي زاوية أخرى من النقاش، برزت إشكالات تقنية لا تقل أهمية، حيث نبهت النائبة ربيعة بوجة إلى وجود “خلل بنيوي” في صياغة المادة المتعلقة بشروط الولوج، نتيجة الخلط بين وضعية المترشح والممارس، ما يطرح، في تقديرها، إشكالاً تشريعياً قد يفتح الباب أمام تأويلات متباينة. كما أثارت غياب رؤية واضحة بشأن دورية تنظيم المباريات، وهو معطى أساسي لضمان عدالة الولوج وتفادي الاكتظاظ أو الإقصاء غير المبرر.

ورغم هذا الإجماع الواسع على رفض بعض المقتضيات، لم يغب صوت يدافع عن منطق الإصلاح، حيث اعتبرت النائبة نجوى كوكوس أن اشتراط الماستر يندرج ضمن محاولة لمواكبة التحولات التي تعرفها الممارسة القانونية، في ظل تعقّد القضايا وتنامي الحاجة إلى كفاءات عالية. غير أنها، في الوقت نفسه، أقرت بضرورة الحذر من أن يتحول هذا الشرط إلى حاجز اجتماعي يقوّض مبدأ تكافؤ الفرص.

وبين هذا وذاك، جاء موقف وزير العدل عبد اللطيف وهبي ليضفي بعداً سياسياً على النقاش، حين أعلن بشكل صريح عدم اعتراضه على رفع السن الأقصى حتى إلى 50 سنة، في إشارة لافتة إلى انفتاح الحكومة على مراجعة هذا المقتضى. كما أوضح أن شرط الماستر لم يكن ضمن الصيغة الأولى للمشروع، قبل أن يتم إدراجه لاحقاً استجابة لمطالب مهنية، مؤكداً أن الولوج عبر مباراة يظل، في نظره، الضامن الأساسي للتنافس وتكافؤ الفرص.

غير أن ما كشفه هذا النقاش يتجاوز تفاصيل سن أو شهادة، ليطرح سؤالاً أعمق حول فلسفة الإصلاح في قطاع العدالة: هل يتعلق الأمر برفع الجودة فعلاً، أم بإعادة رسم حدود الولوج إلى المهنة بشكل قد يعيد إنتاج الفوارق الاجتماعية داخلها؟ وبين من يدافع عن “انتقاء الكفاءة” ومن يحذر من “انتقاء الخلفية الاجتماعية”، يبدو أن مشروع قانون المحاماة فتح واحدة من أكثر النقاشات حساسية حول العدالة… ليس فقط داخل المحاكم، بل قبل الوصول إليها.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى