من “أولوية وطنية” إلى هشاشة مهنية.. لماذا يحتج أساتذة التعليم الأولي؟

إعلام تيفي

بلاغ_ يشهد قطاع التعليم الأولي بالمغرب منعطفاً جديداً عنوانه الاحتقان المتصاعد، مع اقتراب موعد الاحتجاجات الوطنية التي دعت إليها النقابات والتنسيقيات المهنية (FNE، UMT) يوم الأربعاء 6 ماي 2026، في تصعيد لافت يعكس حجم التوتر داخل هذا الورش التربوي الحيوي، ويعيد إلى الواجهة أسئلة عميقة حول واقع التدبير وحدود الخطاب الإصلاحي المعلن.

ففي وقت تواصل فيه الوثائق الرسمية تقديم التعليم الأولي كرافعة أساسية لإصلاح المنظومة التربوية، تتكشف على الأرض صورة مغايرة، تقول النقابات إنها تعكس خللاً بنيوياً في طريقة تدبير هذا الورش. بين خطاب يرفع شعار “الأولوية” وممارسة تفوض القطاع إلى جمعيات ووسطاء، يتشكل واقع مهني هش يضع آلاف الأساتذة خارج أي أفق للاستقرار أو الإدماج داخل الخدمة العمومية.

البيان الصادر عن “الجامعة الوطنية للتعليم” و”الجامعة الوطنية للتعليم التابعة للاتحاد المغربي للشغل”، إلى جانب “التنسيق الوطني لأساتذة وأستاذات التعليم الأولي”، لا يكتفي بوصف الوضع، بل يذهب أبعد من ذلك حين يعتبر أن خيار التفويض لم يكن نتيجة رؤية تربوية بقدر ما كان حلاً مالياً لتفادي كلفة التوظيف المباشر وما يترتب عنه من التزامات اجتماعية. وهو تشخيص يفتح النقاش حول كلفة الإصلاح حين يُبنى على منطق التدبير المالي أكثر من اعتبارات الجودة التربوية والاستقرار المهني.

في قلب هذا الجدل، تبرز وضعية الأساتذة كأكثر حلقات المنظومة هشاشة. عقود توصف بغير المستقرة، أجور متدنية تصل في بعض الحالات إلى حدود يصعب وصفها باللائقة، وتأخر في صرف المستحقات لشهور، مقابل مهام تتجاوز في أحيان كثيرة الإطار التربوي نحو وظائف إدارية أو خدماتية. واقع تقول النقابات إنه لا ينسجم مع الدور الحاسم الذي يفترض أن يضطلع به التعليم الأولي في بناء المسار الدراسي للطفل.

ولا يقف الأمر عند حدود الهشاشة الاقتصادية، بل يمتد إلى ما تعتبره الهيئات الموقعة تضييقاً على العمل النقابي، وإقصاءً من آليات الحركية المهنية، ومن فرص الاستفادة من المناصب الجديدة، في وقت تتوسع فيه شبكة التعليم الأولي كمياً دون أن يواكب ذلك تأطير قانوني ومهني يضمن الحد الأدنى من الحقوق.

هذا التناقض بين التوسع الكمي والهشاشة البنيوية يعيد طرح سؤال جوهري: هل يمكن لمنظومة تراهن على التعليم الأولي كمدخل للإصلاح أن تستمر في بنائه على قاعدة مهنية غير مستقرة؟ أم أن كلفة هذا الاختيار ستظهر لاحقاً في جودة التعلمات وفي صورة المدرسة العمومية نفسها؟

في هذا السياق، أعلنت التنسيقية والنقابات عن برنامج نضالي يتوج بتنظيم وقفات احتجاجية متزامنة يوم السادس من ماي بعدد من المدن الكبرى، في خطوة تبدو أقرب إلى رسالة سياسية واجتماعية مفادها أن هذا الملف لم يعد قابلاً للتأجيل أو التجميل الخطابي. فالمعركة، كما يقدمها البيان، لم تعد فقط معركة فئة مهنية، بل اختباراً حقيقياً لمدى انسجام السياسات العمومية مع شعاراتها المعلنة.

وبين خطاب الإصلاح وواقع التدبير، يطفو ملف التعليم الأولي مجدداً كمرآة تعكس اختلالات أعمق داخل المنظومة، حيث تتقاطع رهانات الجودة التربوية مع أسئلة العدالة المهنية، في انتظار أن تفرز هذه الدينامية الاحتجاجية إجابات عملية تتجاوز حدود البلاغات إلى قرارات تعيد التوازن المفقود داخل أحد أكثر أوراش الإصلاح حساسية.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى