حين تتحول المدرجات إلى مرآة غضب: من شغف الكرة إلى فوضى الشارع

 

بشرى عطوشي

تحليل _لم يعد ما وقع في محيط وداخل مباراة الجيش الملكي والرجاء الرياضي حدثًا معزولًا يمكن اختزاله في “شغب ملاعب”، بل هو امتداد لسلوك يبدأ قبل صافرة البداية، ويتغذى من احتقان اجتماعي ونفسي يجد في كرة القدم منصة جاهزة للانفجار.

المشهد الذي سبق الوصول إلى الملعب، وما تلاه من تكسير واشتباكات، يكشف أن جزءًا من الحاضرين لا يأتي لمتابعة مباراة، بل لحمل ما بداخله من توتر وغضب إلى فضاء عام يسمح له بالتعبير دون كلفة فورية، هنا، تتحول الكرة من لعبة إلى ذريعة، ومن تنافس رياضي إلى مسرح لتفريغ مكبوتات.

الأخطر أن هذا السلوك يُغلف أحيانًا بخطاب “المظلومية”، وكأن العنف يصبح مبررًا تحت ذريعة التهميش أو الإقصاء. غير أن هذا التبرير لا يصمد أمام الواقع: فاستهداف الممتلكات، والاعتداء على الآخرين، وتهديد الأمن العام، لا يمكن أن يكون شكلًا من أشكال التعبير المشروع، بل هو انحراف عن قواعد العيش المشترك.

وفي عمق هذه الظاهرة، يبرز عامل أكثر إشكالية: وجود فئات لا تتفاعل إيجابيًا مع التحولات التي تعرفها البلاد، بل تُبدي نوعًا من النفور أو الحساسية تجاه كل ما يرتبط بالنظام والانضباط والفضاء العام المنظم. هذا الرفض لا يُترجم فقط في الخطاب، بل يتجلى ميدانيًا في سلوكيات ترفض القواعد، وتتعامل مع الفضاء الجماعي بمنطق الفوضى بدل المسؤولية.

كرة القدم في جوهرها رافعة اجتماعية وثقافية

في المغرب، حيث تتسارع وتيرة التحديث الرياضي والبنيات التحتية، يُفترض أن تكون الملاعب فضاءات للفرجة والانتماء الإيجابي، لا ساحات لتكريس الفوضى، لكن ما يحدث في بعض المباريات يعكس فجوة بين هذا الطموح والواقع، حيث تتسلل فئات لا ترى في التطور سوى ضغط أو تهديد، فترد عليه بسلوك عدواني أو رافض.

المشكلة لا تتوقف عند الأفراد، بل تمتد إلى منظومة كاملة تحتاج إلى مراجعة: تنظيم المباريات، تأطير الجماهير، دور الأندية في تربية مناصريها، وخطاب المجموعات المشجعة الذي قد ينزلق أحيانًا من التشجيع إلى التعبئة السلبية، كما أن غياب قنوات سليمة للتعبير لدى بعض الشباب يجعل من الملعب متنفسًا غير مضبوط.

ما حدث ليس فقط أزمة كرة قدم، بل مؤشرا اجتماعيا، وعلاج المؤشرات لا يكون بالإنكار أو التبسيط، بل بمقاربة متعددة: حزم أمني، تأطير تربوي، وخطاب إعلامي مسؤول يميز بين المشجع الحقيقي، الذي يدعم فريقه، وبين من يحوّل القميص إلى غطاء للفوضى.

في النهاية، الرهان ليس على منع الشغف، بل على حمايته من الانحراف. لأن كرة القدم التي تُبنى عليها صورة بلد، لا يمكن أن تُختزل في مشاهد عنف تُفقدها معناها، وتُحوّل فرجتها إلى قلق جماعي بدل أن تكون لحظة وحدة واحتفال.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى