مصلحة الضرائب- القدس – ببنسليمان.. حين تصبح الإدارة العمومية نموذجا يحتذى به

بشرى عطوشي
تقف المديرية الإقليمية للضرائب بمدينة بنسليمان اليوم شاهداً حياً على أن الإدارة العمومية المغربية قادرة، حين تتوفر الإرادة والكفاءة، على أن ترقى إلى مستوى تطلعات المواطن وتتجاوز الصورة النمطية التي طالما أثقلت كاهل المرفق العام في المخيال الجماعي.
بيئة عمل تعكس فلسفة في التدبير
لا يحتاج الزائر لهذه المديرية سوى لحظات قليلة حتى يستشعر أن ثمة شيئاً مختلفاً في هذا الفضاء الإداري، فبخلاف ما اعتاد عليه المرتفق المغربي من ضجيج الانتظار وثقل الروتين، تسود أروقة هذه المؤسسة أجواء من الهدوء المنظم والانسيابية في العمل، تعكس في جوهرها فلسفة واضحة المعالم في تدبير الموارد البشرية وإدارة العلاقة مع المواطن.
الموظفون الذين يمثلون العمود الفقري لأي مؤسسة عمومية، يؤدون مهامهم في مناخ يشجع على الإنتاجية ويُعزز الانتماء المؤسسي. ذلك أن الاهتمام بالكادر البشري ليس ترفاً إدارياً، بل هو في الحقيقة الاستثمار الأجدى في تحسين جودة الخدمة المقدمة للمواطن.
أسلوب قيادي يجمع بين الاحترافية والإنسانية
يُجمع العاملون بالمديرية على أن الأسلوب القيادي لمدير المصالح يمثل ركيزة أساسية في بناء هذه الديناميكية الإيجابية. فهو يتعامل مع موظفيه بروح من الأخوة الصادقة المبنية على الاحترام المتبادل، دون أن يُخل ذلك بمتطلبات الانضباط المؤسسي ومعايير الجودة المطلوبة.
هذا النهج في القيادة، الذي يُوازن بين الحزم في العمل والدفء في التعامل، ينعكس بشكل مباشر على نفسية الموظف ويرفع من مستوى إقباله على العطاء. فحين يشعر الموظف بأن همومه مسموعة وأن مجهوداته معترف بها، يتحول العمل من واجب مُثقل إلى مسؤولية يؤديها بانشراح وإتقان.
استقبال يُعيد رسم صورة الإدارة في ذهن المواطن
غير أن ما يستوقف المتتبع لهذه التجربة أكثر من غيره، هو طريقة استقبال المرتفقين وأسلوب التعامل معهم. فبسمة الاستقبال وحسن الإنصات ليسا مجرد تفاصيل هامشية، بل هما في الواقع رسالة إنسانية تقول للمواطن صراحةً: “أنت هنا في مكانك الصحيح، وملفك يستحق الاهتمام.”
يجد المرتفق في هذه المديرية توجيهاً واضحاً منذ لحظة ولوجه، مما يُخفف من وطأة الغموض الإجرائي الذي كثيراً ما يُحبط المواطن قبل أن يبدأ مساره الإداري. فالإرشاد الجيد والتوضيح الصبور يُختصران أحياناً أسابيعاً من التردد والتنقل غير المجدي.
سرعة في الإنجاز نادراً ما تُصادف في المرافق العامة
ولعل من أبرز ما تتميز به هذه المديرية، تلك السرعة اللافتة في معالجة الملفات الإدارية وإنجاز المطالب. وهي سرعة لا تعني التسرع أو التساهل في الجودة، بل تُعبر عن منظومة عمل مُحكمة تُقدّر وقت المواطن وتضعه في صدارة أولوياتها.
في سياق تشكو فيه كثير من الإدارات العمومية المغربية من تراكم الملفات وطول آجال المعالجة، تُقدم المديرية الإقليمية للضرائب ببنسليمان نموذجاً مغايراً يثبت أن التنظيم الجيد وتوزيع المهام بذكاء واضطلاع كل موظف بدوره كاملاً، كفيلة بتحقيق نتائج ملموسة تُحدث فرقاً حقيقياً في يوميات المواطن.
نموذج يستحق التأمل
إن ما تقدمه المديرية الإقليمية للضرائب ببنسليمان ليس معجزة إدارية، بل هو ثمرة طبيعية لاختيارات واعية في القيادة والتدبير. إنه يثبت أن الإصلاح الإداري الحقيقي لا يبدأ دائماً من النصوص القانونية والمراسيم، بل يبدأ أحياناً من ثقافة التعامل اليومي وروح الانتماء للمؤسسة.
تجربة تستحق أن تُدرَس وأن يُستلهم منها، لأن المواطن في نهاية المطاف لا يريد من إدارته الكثير.. يريد فقط أن يُحترم وقته، ويُسمع صوته، وتُنجز أوراقه.





