القنب الهندي.. مشروع إصلاحي يواجه واقعا أقوى منه

حسين العياشي
يرصد تقرير إسباني ملامح مفارقة صامتة تتشكل في جبال الريف، حيث تتقدم الحكومة بخطى محسوبة نحو تقنين زراعة القنب الهندي، بينما تواصل السوق الموازية فرض إيقاعها الخاص، كأن الزمن هناك يسير بسرعتين مختلفتين؛ واحدة رسمية تتجه نحو التنظيم والصناعة، وأخرى غير مرئية تحافظ على توازنات قديمة يصعب تفكيكها بين ليلة وضحاها.
فمنذ إطلاق ورش التقنين سنة 2021، راهن المغرب على تحويل هذا المنتوج من مادة مرتبطة بالاقتصاد غير المهيكل إلى رافعة تنموية قادرة على خلق قيمة مضافة، عبر إدماجها في سلاسل صناعية وطبية منظمة. غير أن هذا التحول، كما تكشفه القراءة الإسبانية، يصطدم بواقع سوسيواقتصادي أكثر تعقيدا مما توحي به النصوص القانونية، حيث ترتبط معيشة ما يقارب مليون ونصف مليون شخص بهذه الزراعة، في شبكة مصالح ممتدة ومتجذرة منذ عقود.
في الحقول المعلقة على سفوح الريف، لا تقاس القرارات بميزان القوانين فقط، بل بميزان العائد اليومي أيضا. وهنا بالضبط يتجلى جوهر الإشكال: الفارق الصارخ بين ما يوفره المسار القانوني من أرباح مؤطرة، وما تعرضه السوق السوداء من عائدات سريعة ومرتفعة، يجعل جزءا واسعا من المزارعين يفضلون البقاء في المنطقة الرمادية، حيث المخاطر قائمة، لكن المكاسب مضمونة أكثر في نظرهم.
هذا التردد الجماعي لا يعكس رفضا مباشرا للإصلاح، بقدر ما يعكس هشاشة التوازن الاقتصادي داخل هذه المناطق، حيث يصبح الانتقال إلى الاقتصاد المهيكل مغامرة غير محسوبة بالنسبة لفلاح صغير يعيش على هامش الاستقرار. فالمسار القانوني، رغم ما يتيحه من حماية واندماج، يظل محكوما بشروط تقنية وضريبية، وبسلاسل إنتاج طويلة، لا تمنح نفس الإحساس الفوري بالأمان المالي الذي توفره شبكات التهريب.
وبين هذين النموذجين، يتشكل نوع من “التعايش غير المتكافئ”، حيث تحاول الدولة بناء منظومة جديدة تقوم على الشفافية والتتبع، في حين يستمر النظام غير الرسمي في لعب دور العمود الفقري للاقتصاد المحلي في عدد من المناطق النائية. هذا التعايش لا يعكس فقط صراعا بين القانون واللا قانون، بل يكشف عن فجوة زمنية بين رؤية استراتيجية تسعى إلى المستقبل، وواقع يومي لا يزال مشدودا إلى منطق البقاء.
ورغم المجهودات التي تبذلها الوكالة الوطنية لتقنين الأنشطة المتعلقة بالقنب الهندي، من خلال تشجيع التعاونيات ومنح التراخيص، فإن التحدي الحقيقي يبدو أعمق من مجرد إدماج قانوني، إذ يتعلق بإعادة بناء الثقة الاقتصادية لدى المزارعين، وإقناعهم بأن البديل القانوني ليس فقط مشروعاً مشروعا، بل أيضا مجديا من حيث العائد والاستقرار.
كما أن استمرار تدفق جزء مهم من المحاصيل غير المرخصة نحو المسالك السرية المتجهة إلى أوروبا يعكس أن السوق الدولية، بطلبها المرتفع وأسعارها المغرية، لا تزال تمارس ضغطا قويا يقوض مساعي التقنين، ويعيد إنتاج نفس الدوائر الاقتصادية التي يسعى المغرب إلى تفكيكها.
وفي قلب هذا المشهد، يبرز عامل الزمن كأحد أهم عناصر الحسم. فإعادة توجيه قطاع متجذر تاريخيا نحو منطق المقاولة المهيكلة لا يمكن أن يتم بقرارات إدارية فقط، بل يحتاج إلى تحول تدريجي في البنية الاقتصادية والاجتماعية، يوازن بين متطلبات التنظيم وضرورات العيش الكريم للفلاحين.
هكذا، يجد المغرب نفسه أمام معادلة دقيقة: كيف يمكن تحويل القنب الهندي من مصدر هش للعيش إلى رافعة تنمية مستدامة، دون أن يفقد آلاف المزارعين توازنهم الاقتصادي؟ وكيف يمكن تقويض نفوذ السوق السوداء دون خلق فراغ اجتماعي في مناطق تعيش أساساً على هامش الخيارات الاقتصادية البديلة؟
بين طموح التقنين وقوة الواقع، تتواصل معركة هادئة في جبال الريف، عنوانها الأبرز ليس فقط من يربح السوق، بل من ينجح في كسب ثقة الإنسان الذي يحرث الأرض.





