أثمنة خيالية داخل المستشفيات.. تصريح نقابي يكشف ما لا يُقال

حسين العياشي
يكشف واقع بعض المستشفيات عن مفارقة قاسية بين الحق في العلاج وكلفة الولوج إليه، بعدما بدأت أصوات نقابية تدق ناقوس الخطر بشأن ما تصفه بـ”الأسعار الخيالية” التي أصبحت تفرض داخل عدد من المؤسسات الصحية، في مشهد يعيد طرح أسئلة عميقة حول حدود التنظيم، ومآلات الإصلاح الصحي، ومدى حماية المرضى من الانزلاقات التجارية في قطاع يفترض أن تحكمه اعتبارات إنسانية قبل أي شيء آخر.
فبين جدران مؤسسات يفترض أنها تحتضن خدمات اجتماعية موجهة للشغيلة الصحية، تتشكل صورة مقلقة عن فضاءات تحولت، تدريجيا، من مرافق داعمة إلى عبء إضافي، حيث لا تعكس الأسعار المعتمدة أي منطق اجتماعي، ولا تنسجم مع طبيعة الفئة المستفيدة ولا مع ظروف اشتغالها. ويزداد هذا الشعور حدة حين يتعلق الأمر بأطر صحية تواجه ضغطا مهنيا متواصلا، وتجد نفسها مطالبة بتحمل كلفة خدمات يفترض أن تكون في متناولها.
في هذا السياق، يضع عادل عوين، عضو المكتب الوطني للجامعة الوطنية للصحة التابعة للاتحاد العام للشغالين بالمغرب، الإصبع على جوهر الإشكال، معتبرا أن ما يحدث داخل المقاصف يمثل انحرافا واضحا عن الأهداف الاجتماعية التي أُحدثت من أجلها. ويقول إن “الواقع صادم داخل مقاصف المستشفيات، حيث الأثمنة الخيالية لا تمت بصلة لأي منطق اجتماعي، مما يعكس خللا عميقا في طريقة تدبير هذه الفضاءات”، متسائلا عن الكيفية التي تحولت بها مرافق تستفيد من خدمات عمومية، كالماء والكهرباء، إلى فضاءات لتحقيق الربح على حساب الشغيلة الصحية.
ويذهب عوين أبعد من ذلك، حين يطرح تساؤلات مباشرة حول البعد الاجتماعي المفترض لهذه الخدمات، وحول موقع التضامن داخل منظومة يفترض أن تساند مهنيي الصحة في أداء أدوارهم الحيوية. فبالنسبة له، لا يتعلق الأمر فقط بأسعار مرتفعة، بل بمنطق تدبيري يبدو منفصلا عن السياق العام الذي تعيشه الشغيلة الصحية، وعن طبيعة الدور الذي تؤديه داخل المنظومة الصحية.
غير أن الإشكال، كما يطرحه الفاعل النقابي، لا يقف عند حدود الأسعار، بل يمتد إلى ما يصفه بالغموض الذي يلف آليات المراقبة. فغياب وضوح بشأن وجود لجان تتبع حقيقية، أو مراقبة دورية للأسعار وجودة الخدمات، يفتح الباب أمام احتمال وجود فراغ رقابي، يطرح بدوره تساؤلات حول مدى احترام مبادئ الحكامة الجيدة وربط المسؤولية بالمحاسبة داخل هذه الفضاءات.
ويؤكد عوين أن هذا الوضع يشكل، في نظره، استغلالا غير مبرر لمرافق عمومية يفترض أن تكون في خدمة الشغيلة، لا وسيلة لاستنزاف قدرتها الشرائية، معلنا رفضه لما يعتبره انزلاقا عن الدور الاجتماعي للمقاصف. كما يدعو إلى مراجعة فورية وشاملة للأسعار بما يتلاءم مع الإمكانيات المادية لمهنيي الصحة، إلى جانب إرساء آليات مراقبة صارمة ودورية تشمل الأسعار وجودة الوجبات وشروط السلامة الصحية.
وتتجاوز هذه المطالب البعد التقني إلى دعوة صريحة لفتح تحقيق شفاف حول طرق تدبير هذه المقاصف وظروف استغلالها، مع إعادة توجيهها نحو وظيفتها الأصلية كخدمة اجتماعية، بدل أن تبقى مجالا لتحقيق الربح. فبالنسبة للفاعل النقابي، فإن كرامة الشغيلة الصحية لا تختزل في الأجور أو المسار المهني، بل تشمل أيضا تفاصيل الحياة اليومية داخل فضاءات العمل، بما فيها الحق في خدمات منصفة تحفظ الحد الأدنى من العدالة.
هذا النقاش، في عمقه، يعيد طرح سؤال أكبر حول موقع الخدمات الاجتماعية داخل المنظومة الصحية، وحول مدى انسجامها مع الخطاب الرسمي الداعي إلى تحسين أوضاع مهنيي القطاع. فبين نوايا الإصلاح وواقع الممارسة، تبدو المقاصف مثالا دالا على فجوة تحتاج إلى معالجة، ليس فقط عبر قرارات ظرفية، بل من خلال إعادة نظر شاملة في طرق التدبير والرقابة.
وفي انتظار تفاعل الجهات المعنية، يظل السؤال الذي يطرحه مهنيون ونقابيون معا قائما بإلحاح، إلى متى تستمر هذه الاختلالات داخل فضاءات يفترض أن تكون ملاذا يوميا للشغيلة الصحية؟ وهل تتحول هذه الصرخة إلى مدخل لإصلاح حقيقي يعيد الاعتبار لوظيفتها الاجتماعية، أم تبقى مجرد حلقة جديدة في سلسلة مطالب مؤجلة؟





