بين طموح الإصلاح وواقع البيروقراطية… أي إدارة نريد للمواطن؟

فاطمة الزهراء ايت ناصر
تتكرر في الفضاء العمومي شكاوى مواطنين من صعوبات يواجهونها أثناء تعاملهم مع بعض الإدارات، سواء تعلق الأمر بطول الانتظار، أو تضارب المعلومات، أو بأسلوب استقبال لا يرقى إلى مستوى تطلعاتهم.
ورغم ما تحقق على مستوى الإصلاحات القانونية والتنظيمية، فإن جزءا من الرأي العام لا يزال يعتبر أن الطريق نحو إدارة عصرية وفعالة لم يكتمل بعد.
حسب مراقبون، فإن الإشكال لا يرتبط دائما بالنصوص القانونية بقدر ما يرتبط بثقافة المرفق العام، فالمغرب اعتمد خلال السنوات الأخيرة ترسانة من القوانين الرامية إلى تبسيط المساطر، وتعزيز الشفافية، وربط المسؤولية بالمحاسبة.
غير أن التحدي الحقيقي، في نظرهم، يكمن في تغيير العقليات وتحديث أساليب الاشتغال داخل المكاتب الإدارية.
هذه الانطباعات لا تقتصر على روايات فردية، بل تجد صداها في تقارير رسمية وطنية ودولية تناولت واقع العلاقة بين المواطن والمرفق العمومي.
فقد أكد المجلس الاقتصادي والاجتماعي والبيئي في أحد تقاريره حول حكامة الخدمات العمومية أن تحسين جودة الخدمة يمر عبر تعزيز الشفافية، وتبسيط المساطر، وضمان الولوج العادل للمعلومة.
وأشار التقرير إلى أن صورة الإدارة لدى جزء من المواطنين لا تزال متأثرة ببطء الإجراءات وضعف التنسيق بين المصالح.
من جهته، توقف المجلس الأعلى للحسابات في تقاريره التقييمية عند تحديات تدبير الموارد البشرية داخل الوظيفة العمومية، مسجلا الحاجة إلى تحديث أنظمة التوظيف والتكوين والتقييم، بما ينعكس إيجابا على جودة الخدمات المقدمة للمرتفقين.
أما على المستوى الدولي، فقد خصصت منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية تقارير لتقييم الحوكمة العامة في المغرب، مبرزة أن مسار الإصلاح الإداري حقق تقدما ملحوظا على مستوى التشريعات، لكنه يظل في حاجة إلى تسريع وتيرة التنزيل العملي، خاصة في ما يتعلق بتبسيط الإجراءات وتعزيز التحول الرقمي وتطوير ثقافة الخدمة العمومية.
ويرى متتبعون أن بعض مظاهر البيروقراطية التقليدية ما تزال حاضرة، من خلال تعقيد غير مبرر للإجراءات، أو غياب توجيه واضح للمواطن، أو تفاوت في مستوى الخدمة من موظف إلى آخر.
هذا التفاوت يخلق إحساسا بعدم المساواة، ويغذي خطابا ينتقد ما يُسمى بإدارة بسرعتين، حيث تختلف جودة الخدمات باختلاف الأشخاص أو المصالح.
في المقابل، يؤكد متابعون أن الإصلاح الإداري مسار تراكمي، يتطلب وقتا وجهدا مستمرين، خاصة في ظل الضغط المتزايد على المرافق العمومية وارتفاع عدد المرتفقين.
كما يشيرون إلى أن تحسين ظروف عمل الموظفين، وتوفير التكوين المستمر في مهارات التواصل، وتبسيط المساطر عبر الرقمنة، تمثل مفاتيح أساسية لتجاوز الاختلالات المسجلة.
ويشدد مراقبون على أن الرهان اليوم لم يعد فقط قانونيا أو تنظيميا، بل هو رهان ثقة، فالمواطن يقيس نجاعة الإدارة من خلال تجربته الشخصية من خلال هل حصل على معلومة واضحة؟ وهل أُنجزت معاملته في آجال معقولة؟ هذه التفاصيل اليومية هي التي تصنع الصورة الذهنية عن الدولة ومؤسساتها.
ويرى متتبعون أن بناء إدارة حديثة يستوجب ترسيخ ثقافة جديدة قوامها خدمة المواطن، وتكافؤ الفرص، واحترام كرامة المرتفق.





