ثورة إحصائية تقودها المندوبية السامية للتخطيط: نظام جديد يعيد رسم خريطة سوق الشغل بدقة غير مسبوقة

المهدي سابق
خبر_ أعلن المغرب عن اعتماد نظام محدث لرصد سوق الشغل، في إطار إصلاح شامل يروم تحسين دقة المعطيات الإحصائية ومواءمتها مع المعايير الدولية الحديثة، في ظل تحولات متسارعة يعرفها الاقتصاد وأنماط التشغيل.
ويعتمد الجهاز الجديد، المعروف بـ “EMO 2026″، على توسيع حجم العينة السنوية بشكل ملحوظ، حيث تم رفعها من 90 ألفا إلى 135 ألف أسرة، أي بزيادة تناهز 50 في المئة، ما من شأنه تقليص أخطاء المعاينة وتعزيز تمثيلية النتائج، خاصة على المستويين الجهوي والإقليمي. كما يتيح هذا التوسيع رصد الفوارق داخل المجال الحضري بشكل أدق، عبر اعتماد مستويات أكثر تفصيلا في تصنيف الطبقات الإحصائية.
ويدخل النظام أيضا مقاربة طولية جديدة لتتبع الأسر، من خلال مخطط تناوب يعرف بـ “2-2-2″، يسمح بإجراء أربع مقابلات مع نفس الأسر موزعة على فترة تمتد إلى 15 شهرا. ويهدف هذا الأسلوب إلى توفير معطيات دقيقة حول الديناميات الفصلية والسنوية لسوق الشغل، وتتبع المسارات المهنية للأفراد بدل الاكتفاء بصورة آنية.
وعلى المستوى المفاهيمي، اعتمد المغرب تعريفات أكثر دقة تميز بين أنواع الأنشطة الاقتصادية. فقد تم حصر مفهوم “الشغل” في الأنشطة المدرة للدخل، سواء كانت بأجر أو ربح، مع استبعاد أنشطة مثل الإنتاج الموجه للاستهلاك الذاتي، بما في ذلك بعض أشكال الفلاحة المعيشية، إلى جانب العمل التطوعي، ووضعها ضمن فئات منفصلة. ويهدف هذا التعديل إلى تحسين قياس التشغيل المرتبط فعليا بالدخل.
كما تم الانتقال إلى تعريف أكثر صرامة للبطالة، يعتمد ما يعرف بالمفهوم الضيق، والذي يشترط البحث الفعلي عن عمل والجاهزية للالتحاق به. وفي المقابل، تم إدراج فئة “القوة العاملة المحتملة”، التي تضم الأشخاص القادرين على العمل لكنهم لا يبحثون عنه، بما في ذلك من فقدوا الأمل في إيجاد فرصة شغل، وهو ما يتيح فهما أوسع لحالات عدم النشاط المرتبطة بسوق العمل.
وفي سياق مواكبة التحولات المرتبطة بالاقتصاد الرقمي، أدخل النظام تصنيفات مهنية جديدة وفق المعايير الدولية الحديثة، من بينها فئة “المشتغل الحر غير المستقل”، التي تشمل العاملين عبر المنصات الرقمية مثل خدمات النقل والتوصيل، والذين لا يتوفرون على عقود عمل تقليدية لكنهم يعتمدون اقتصاديا على جهة واحدة. وينظر إلى هذا التحديث على أنه خطوة لتقليص المناطق الرمادية التي كان يصعب تصنيفها سابقا.
كما تم اعتماد معايير محدثة لقياس الشغل غير المنظم، ترتكز على مؤشرات دقيقة تشمل وجود عقد عمل رسمي، والاستفادة من التغطية الاجتماعية، والتصريح الضريبي، ما يسمح بتقييم أكثر واقعية لمستويات الهشاشة المهنية داخل سوق الشغل.
ومن الناحية التقنية، يعتمد الجهاز الجديد على الرقمنة الكاملة لعملية جمع البيانات عبر نظام الاستجواب بمساعدة الحاسوب”CAPI”، الذي يتضمن آليات للتحقق الفوري من انسجام المعطيات أثناء إدخالها ميدانيا، ما يقلل من الأخطاء البشرية. كما يتم تأمين تدفق البيانات عبر نظام مراقبة متعدد المستويات يربط الباحثين بالمراقبين والمشرفين بشكل آني، بهدف ضمان جودة المعطيات قبل نشرها.
ويقول مسؤولون إن هذه الإصلاحات ستسهم في توفير صورة أكثر دقة وشفافية عن واقع سوق الشغل في المغرب، بما يدعم إعداد سياسات عمومية أكثر استهدافا وفعالية، في وقت تتزايد فيه التحديات المرتبطة بالبطالة وتغير طبيعة العمل.





