صدمة في محاكم البيضاء… يوم كامل في الطابور لأداء رسم بسيط!

حسين العياشي
خبر_سجّلت محاكم الدار البيضاء عودة قوية إلى واجهة النقاش البرلماني، بعدما أثارت النائبة هند بناني، باسم المجموعة النيابية للعدالة والتنمية، ملف ما وصفته بـ“الوضعية المتردية” داخل مرافق القضاء بالعاصمة الاقتصادية، واضعةً وزير العدل أمام مساءلة مباشرة حول اختلالات باتت، وفق معطياتها، تمس جوهر الخدمة القضائية وكرامة المتقاضين والمهنيين على حد سواء.
فالمشهد داخل المحكمتين المدنية والاجتماعية لم يعد، بحسب ما نقلته البرلمانية، مجرد ضغط ظرفي على المرافق، بل تحوّل إلى ما يشبه “اختناقاً إدارياً” ممتداً، تُترجمه طوابير انتظار طويلة أمام صناديق الأداء، قد تمتد أحياناً ليوم كامل من أجل إجراء بسيط. صورة تختزل، في عمقها، مفارقة لافتة بين الخطاب الرسمي حول تحديث العدالة، وواقع يومي يعيشه المرتفقون ويعيد طرح سؤال النجاعة القضائية من زاوية ملموسة ومحرجة.
ولا تقف حدود الإشكال عند مشاهد الاكتظاظ، بل تمتد إلى تعقيد مساطر كان يفترض أن تشكل نموذجاً للبساطة والسرعة. فطلبات التسجيل المعفاة من الرسوم، التي كانت تُنجز في ثوانٍ، أصبحت اليوم، وفق نفس المعطيات، رهينة مسار إداري متشعب يضاعف من الزمن القضائي ويثقل كاهل المتقاضين، في سياق يُفترض فيه أن تكون العدالة أقرب وأكثر يسراً.
وفي قلب هذه التحولات، يبرز قرار نقل مصلحة التنفيذ إلى خارج مقر المحكمة المدنية كأحد أبرز نقاط التوتر، إذ تعتبره البرلمانية إجراءً ساهم في تفكيك وحدة الخدمات القضائية وزاد من معاناة المرتفقين، الذين باتوا مضطرين للتنقل بين فضاءات متباعدة لاستكمال مساطرهم، في غياب تصور مندمج لتدبير الزمن القضائي ومسارات التقاضي.
أما على مستوى التنفيذ، فتبدو الصورة أكثر تعقيداً، حيث كشفت المراسلة البرلمانية عن تكدس غير مسبوق لملفات التنفيذ، خاصة تلك المرتبطة بشركات التأمين، والتي تظل عالقة لأشهر بل لسنوات دون حسم. وضعٌ يُعزى، بحسب نفس المصدر، إلى خصاص حاد في الموارد البشرية، بلغ حدّ خروج الموظفين إلى الاحتجاج، في مؤشر واضح على ضغط داخلي لم تعد المنظومة قادرة على امتصاصه.
غير أن ما يزيد من حدة الجدل، هو تسجيل ممارسات إدارية وُصفت بكونها تفتقر إلى السند القانوني، من قبيل إلزام المرتفقين بأداء أتعاب المفوض القضائي قبل تسجيل المقالات، تحت طائلة رفض تسلم الطلبات. ممارسة تطرح، في بعدها القانوني، إشكالاً دقيقاً يتعلق بحدود الاختصاص، إذ يُفترض أن يبقى البت في قبول الدعاوى من صميم السلطة القضائية، لا أن يتحول إلى إجراء إداري سابق لأوانه.
وتعيد هذه الوقائع مجتمعة طرح سؤال أعمق حول مسار إصلاح العدالة بالمغرب، ومدى قدرة الإجراءات التنظيمية على مواكبة التحولات التي يعرفها المجتمع، خاصة في مدينة بحجم الدار البيضاء التي تشكل القلب الاقتصادي للمملكة وتستقطب حجماً هائلاً من النزاعات المدنية والتجارية والاجتماعية.
في هذا السياق، لم تكتفِ المجموعة النيابية بعرض مظاهر الاختلال، بل طالبت وزير العدل بالكشف عن خارطة طريق استعجالية لإعادة ترتيب هذا المرفق الحيوي، بما يضمن استعادة التوازن بين ضغط الملفات وجودة الخدمات، ويعيد الثقة في مؤسسة يفترض أن تكون عنواناً للإنصاف لا فضاءً إضافياً للمعاناة.
وبين ضغط الواقع وانتظارات الإصلاح، تبدو محاكم الدار البيضاء اليوم أمام اختبار حقيقي، لا يتعلق فقط بتدبير الطوابير أو تسريع الإجراءات، بل بإعادة بناء تصور متكامل للعدالة يضع المواطن في قلبها، ويجعل من الكرامة القضائية معياراً لا يقبل التأجيل.





