نقابات تتهم مسؤولين بتحويل الإدارة إلى غنيمة حزبية

حسين العياشي
خبر_يتجه قطاع الصناعة التقليدية والاقتصاد الاجتماعي والتضامني نحو موجة جديدة من التوتر، بعدما خرجت النقابات الأكثر تمثيلية بلهجة غير مسبوقة، متهمة كتابة الدولة الوصية بالسقوط في دوامة من الارتجال والتدبير الحزبي الضيق، في وقت كان فيه المهنيون ينتظرون إطلاق دينامية حقيقية تعيد الاعتبار لقطاع ظل لسنوات يقدم كواجهة للهوية الاقتصادية والاجتماعية للمغرب.
الاحتقان الذي ظل يتصاعد بصمت داخل المكاتب والإدارات والغرف المهنية، انفجر هذه المرة في صيغة أكثر وضوحا وحدّة، بعدما أعلنت النقابات الثلاث الممثلة لموظفي القطاع عن برنامج نضالي تصاعدي، محملة كاتب الدولة لحسن السعدي المسؤولية الكاملة عن “حالة التخبط غير المسبوقة” التي يعيشها القطاع، وسط اتهامات مباشرة بتحويل الإدارة إلى مجال لتصفية الحسابات السياسية وتوزيع الامتيازات بمنطق الولاء الحزبي لا الكفاءة والاستحقاق.
وجاء هذا التصعيد عقب اجتماع تنسيقي عقدته المكاتب الوطنية للنقابات يوم 7 ماي الجاري، خلص إلى ما وصفته الهيئات النقابية بـ”الهوة الكبيرة” بين الخطاب الرسمي الذي يروج لإنجازات وصفتها بـ”الافتراضية”، وبين واقع مهني واجتماعي يزداد هشاشة يوما بعد آخر. فبينما تتحدث كتابة الدولة عن مشاريع للإقلاع والتأهيل، يؤكد الموظفون أن القطاع يعيش ارتباكا إداريا خانقا، تغيب فيه الرؤية الواضحة وتُدار شؤونه بمنطق ردود الأفعال والترقيع المؤقت.
وفي قلب هذا الغضب النقابي، برز ملف التعيينات في مناصب المسؤولية باعتباره الشرارة التي عمقت فقدان الثقة داخل القطاع. فقد تحدثت النقابات عن ما اعتبرته “خرقا سافرا” للقوانين المنظمة للتعيين، بعد تعيين أحد المحسوبين على حزب كاتب الدولة مديرا إقليميا قبل أن يستكمل حتى سنته الأولى داخل الوظيفة العمومية، وهي الواقعة التي أثارت، بحسب البيان النقابي، موجة استياء واسعة داخل الإدارة، واعتبرت دليلا على تغليب منطق الانتماء السياسي على معايير الكفاءة والخبرة.
ولا يبدو أن غضب الشغيلة يتوقف عند حدود التعيينات فقط، بل يمتد إلى ما تعتبره تدهورا مقلقا في الأوضاع الاجتماعية والمادية للموظفين. فالنقابات طالبت بالتعجيل بصرف منحة عيد الأضحى المحددة في 1500 درهم، أسوة بقطاعات وزارية أخرى، إلى جانب إقرار تعويضات عن التنقل لفائدة موظفي الغرف المهنية، معتبرة أن استمرار التفاوت في الامتيازات بين القطاعات يكرس شعورا متزايدا بالحيف وعدم الإنصاف.
وفي خلفية هذا التوتر، يطفو ملف النظام الأساسي لموظفي الغرف باعتباره أحد أعقد الملفات المؤجلة منذ سنوات. إذ تدفع النقابات في اتجاه إصلاح جذري يضمن تحسين الأجور وتعميم الزيادات وتخفيف الضغط الضريبي، مع التسريع بتنزيل القانون المتعلق بإحداث المؤسسة المشتركة للنهوض بالأعمال الاجتماعية، في محاولة لاحتواء حالة الاحتقان التي باتت تتغذى من الإحساس بالتهميش والإقصاء.
ولم تسلم جمعية الأعمال الاجتماعية بدورها من سهام الانتقاد، بعدما دعت النقابات إلى إخضاعها لافتحاص مالي شامل، متهمة مسؤوليها بتبذير المال العام واعتماد منطق “التمييز النقابي” في تقديم الخدمات، وهي اتهامات تضيف مزيدا من التعقيد إلى مشهد قطاع يبدو أنه دخل مرحلة دقيقة عنوانها فقدان الثقة بين الإدارة وشغيلتها.
ويخشى متابعون أن يتحول هذا الاحتقان إلى أزمة مفتوحة، خاصة في ظل اتهام النقابات لكتابة الدولة بالتهرب من الحوار الجاد والمسؤول. فكل المؤشرات توحي بأن منسوب الغضب داخل القطاع تجاوز سقف المطالب الاجتماعية التقليدية، ليأخذ أبعادا مرتبطة بطريقة التدبير نفسها، وبطبيعة العلاقة التي باتت تربط الإدارة بموظفيها.
وبين خطاب رسمي يتحدث عن التحديث والإقلاع، وصوت نقابي يحذر من الانهيار الإداري والاجتماعي، يجد قطاع الصناعة التقليدية نفسه مرة أخرى أمام مفترق حساس، قد يحدد ليس فقط مستقبل الاستقرار المهني داخله، بل أيضا صورة قطاع ظل يقدم باعتباره أحد آخر معاقل الاقتصاد الاجتماعي والتضامني في المغرب.





