شبهات ريع وانتخابات.. المجلس الأعلى للحسابات يفتح ملفات دعم الجمعيات

حسين العياشي

خبر_تُسابق المجالس الجهوية للحسابات الزمن لإنهاء واحدة من أوسع عمليات الافتحاص التي طالت جمعيات استفادت من المال العام خلال السنوات الأخيرة، بعدما وجّه المجلس الأعلى للحسابات طلبات وُصفت بـ”العاجلة” إلى عدد من المجالس الجهوية، خاصة بجهتي الدار البيضاء-سطات والرباط-سلا-القنيطرة، من أجل استكمال تقارير دقيقة حول أوجه صرف دعم عمومي تجاوز 667 مليون درهم، استفادت منه أزيد من 2800 جمعية تنشط في مجالات متعددة، من الثقافة والرياضة إلى السياحة والتنشيط المحلي.

التحركات الجارية داخل دواليب الرقابة المالية لا تبدو هذه المرة مجرد افتحاص روتيني لوثائق محاسباتية أو مراجعة تقنية لأرقام موزعة على جداول الدعم، بل تحمل في خلفيتها أسئلة ثقيلة تتعلق بكيفية تدبير جزء مهم من المال العام الذي ضُخّ لسنوات باسم العمل الجمعوي والتنمية المحلية. فالمعطيات المتوفرة تشير إلى أن عمليات التدقيق لم تقتصر على تتبع مسارات النفقات فقط، وإنما امتدت إلى فحص مدى احترام مبادئ الشفافية، ومدى تطابق المصاريف المنجزة مع الأهداف المعلنة داخل الاتفاقيات الموقعة مع الجماعات الترابية والمؤسسات العمومية.

وبحسب المعطيات نفسها، فإن لجان الافتحاص وقفت على اختلالات متكررة في عدد من الملفات، من بينها غياب وثائق تبريرية أساسية، وضعف آليات التتبع والتقييم، إلى جانب استمرار استفادة بعض الجمعيات من الدعم بشكل متكرر دون إخضاع نتائج مشاريعها لأي تقييم دقيق يبرر تجديد التمويل. وهي مؤشرات أعادت إلى الواجهة النقاش القديم حول تحوّل جزء من الدعم العمومي المخصص للنسيج الجمعوي إلى ما يشبه دائرة مغلقة تستفيد منها أسماء بعينها، في ظل هشاشة معايير الانتقاء وضعف المراقبة البعدية.

وتتجاوز حساسية هذا الملف الجوانب المالية الصرفة، بالنظر إلى ما تثيره بعض المعطيات من شبهات مرتبطة باستعمال الدعم العمومي في بناء شبكات مصالح محلية أو توظيفه لأغراض انتخابية غير معلنة، خصوصا في محيط جماعات ترابية تعرف تنافسا سياسيا حادا. فداخل هذا التشابك بين الجمعوي والسياسي، يصبح المال العمومي أحيانا أداة لتوسيع النفوذ أكثر من كونه وسيلة لخدمة التنمية أو تقوية الفعل المدني، وهو ما يدفع مؤسسات الرقابة إلى تشديد مساطر الافتحاص وتتبع مسارات الصرف بدقة أكبر.

ويأتي هذا التحرك الرقابي في سياق يتسم بتصاعد المطالب بربط الدعم العمومي بالمحاسبة والنجاعة، خاصة بعد سنوات من تضخم ميزانيات موجهة لجمعيات ومشاريع محلية دون أثر ملموس في عدد من المناطق. كما يعكس توجها متزايدا نحو إعادة ترتيب العلاقة بين الدولة والجمعيات المستفيدة من التمويل العمومي، عبر الانتقال من منطق توزيع الدعم إلى منطق قياس الأثر والنتائج.

وفي انتظار صدور التقارير النهائية، تبدو العديد من الجماعات والجمعيات المعنية مترقبة لما قد تكشفه خلاصات الافتحاص من معطيات إضافية قد تعيد فتح ملفات ظلت بعيدة عن الأضواء لسنوات، خصوصا إذا ما تأكدت الشبهات المرتبطة بسوء التدبير أو تضارب المصالح أو استغلال الدعم خارج الأهداف التي خُصص لها. وهي معطيات قد تجعل هذا الملف واحدا من أكثر ملفات تدبير المال العام حساسية خلال المرحلة المقبلة.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى