الجراد يعود إلى المغرب.. وتحذيرات أممية ترفع درجة الاستنفار

حسين العياشي

خبر_لم يعد الجراد، في المخيال الجماعي للمغاربة، مجرد حشرة عابرة تحملها الرياح من صحراء إلى أخرى، بل صار اسما يوقظ ذاكرة الخوف القديمة كلما ظهر في نشرات التحذير أو تقارير المنظمات الدولية. وبينما كانت مناطق واسعة من الجنوب والجنوب الشرقي تستعيد شيئا من هدوئها الزراعي بعد سنوات الجفاف القاسية، أعادت منظمة الأمم المتحدة للأغذية والزراعة “فاو” فتح ملف الجراد من جديد، محذّرة من استمرار نشاطه فوق التراب المغربي خلال الأسابيع المقبلة، في مشهد يختلط فيه القلق البيئي بالرهان الغذائي والأمني.

التحذير الأممي لم يأت من فراغ. فالمعطيات الميدانية التي رصدتها المنظمة تشير إلى ظهور مجموعات وأسراب في عدد من المناطق الممتدة بين طانطان وشمال أكادير، إضافة إلى نواحي الرشيدية، وهي مناطق تعرف بطبيعتها المفتوحة واتصالها بالمجالات الصحراوية وشبه الصحراوية التي تشكل بيئة ملائمة لتحركات الجراد وتكاثره. غير أن ما يثير الانتباه أكثر، ليس فقط ظهور هذه الأسراب، بل التوقيت الذي يأتي فيه هذا النشاط، بالتزامن مع تحسن نسبي في الظروف المناخية ووجود غطاء نباتي ساعد على خلق بيئة خصبة للتوالد.

وبحسب توقعات “فاو”، فإن شهر ماي الجاري قد يشهد مرحلة أكثر حساسية، مع احتمال ظهور أسراب جديدة من “الحوريات” جنوب جبال الأطلس، قبل أن تبدأ مجموعات من الجراد البالغ في التشكل خلال النصف الثاني من الشهر. وفي لغة الخبراء، فإن هذه المرحلة تعد الأكثر خطورة، لأنها تمثل الانتقال من تجمعات محدودة إلى أسراب قادرة على التنقل لمسافات طويلة والتغذي بشكل كثيف، بما يحول الحقول والمراعي إلى أراضٍ جرداء في وقت قياسي.

ولا تبدو حركة الجراد محصورة داخل الحدود المغربية فقط، إذ تتوقع المنظمة الأممية أن تتجه بعض الأسراب نحو المنطقة الشرقية وغرب الجزائر، بينما قد تنحدر مجموعات أخرى جنوبا نحو موريتانيا، في امتداد إقليمي يعكس الطبيعة العابرة للحدود لهذا التهديد. فالجراد لا يعترف بالجغرافيا السياسية، بل يتحرك وفق اتجاهات الرياح والرطوبة والغطاء النباتي، ما يجعل أي انفلات في بؤر التكاثر قابلا للتحول إلى أزمة إقليمية معقدة.

في المقابل، تحاول السلطات المغربية تطويق الوضع بمنطق الاستباق قبل الانفجار. فعمليات الرصد الجوي والميداني متواصلة، إلى جانب حملات الرش الأرضي والجوي التي شملت آلاف الهكتارات خلال الأسابيع الماضية. كما تؤكد وزارة الداخلية أن الوضع ما يزال تحت السيطرة، بفضل التعبئة المبكرة والتنسيق بين مختلف المتدخلين، خصوصا في المناطق الجنوبية المعروفة تاريخيا بكونها ممرات تقليدية لتحركات الجراد الصحراوي.

لكن خلف لغة الطمأنة الرسمية، يظل هاجس الأمن الغذائي حاضرا بقوة، خاصة في سياق اقتصادي وفلاحي دقيق يعيش فيه المغرب ضغطا متزايدا بسبب توالي سنوات الجفاف وارتفاع كلفة الإنتاج الزراعي. فظهور الجراد، حتى وإن ظل محدودا، يعيد إلى الواجهة سؤال هشاشة المنظومة الفلاحية أمام التحولات المناخية والتقلبات البيئية، كما يكشف حجم الترابط بين التغيرات المناخية وحركية الآفات العابرة للحدود.

وبين تحذيرات “فاو” وتأكيدات السلطات، يبقى الرهان الحقيقي معلقا على عامل الزمن. فكل يوم يمر دون توسع رقعة الأسراب يمنح فرق المكافحة هامشا أكبر للسيطرة، وكل تأخر في الاحتواء قد يفتح الباب أمام سيناريوهات أكثر تعقيدا، في موسم فلاحي لم يعد يحتمل الكثير من المفاجآت.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى