بزندفة تفتح ملف “إقصاء” خريجي القانون من مباريات التوظيف العمومي

حسين العياشي
خبر_ يتحول النقاش حول مباريات التوظيف العمومي في المغرب، شيئا فشيئا، من مجرد جدل تقني مرتبط بشروط الانتقاء إلى سؤال أعمق يمس جوهر العدالة الإدارية نفسها. فكل إعلان جديد عن مباراة توظيف داخل مؤسسة عمومية أو هيئة ذات طابع قانوني، يعيد إلى الواجهة ذلك الإحساس المتنامي لدى عدد من خريجي الجامعات بأن أبواب الوظيفة لم تعد تفتح بالقدر نفسه أمام الجميع، وأن بعض التخصصات باتت تحظى بمعاملة تفضيلية على حساب أخرى، رغم التقاطعات العلمية والمهنية التي تجمع بينها.
هذا الجدل عاد بقوة إلى الواجهة بعد تنامي ملاحظات وشكايات صادرة عن طلبة وخريجي شعبة القانون العام، الذين عبروا، في أكثر من مناسبة، عن استغرابهم من اقتصار عدد من مباريات التوظيف على خريجي القانون الخاص دون غيرهم، حتى في مناصب يفترض أنها تستند إلى تكوين قانوني عام وشامل.
وبالنسبة إلى هؤلاء، لا يتعلق الأمر فقط بحرمان فئة جامعية من حق التباري، بل بإشكال أوسع يرتبط بكيفية فهم الإدارة المغربية لفلسفة التخصصات القانونية وحدود الفصل بينها.
داخل البرلمان، انتقل هذا النقاش من مواقع التواصل وقاعات الجامعات إلى المؤسسة التشريعية، بعدما وجهت النائبة البرلمانية نادية بزندفة، عن فريق الأصالة والمعاصرة بجهة مراكش آسفي، سؤالا إلى الحكومة ضمن أشغال لجنة التعليم والثقافة والاتصال، طالبت فيه بتوضيح المعايير المعتمدة في تحديد التخصصات المطلوبة في مباريات التوظيف العمومي، ومدى احترامها لمبادئ الشفافية وتكافؤ الفرص المنصوص عليها دستوريا.
السؤال البرلماني لم يتوقف عند حدود تسجيل الملاحظة، بل لامس نقطة توصف داخل الأوساط الجامعية بـ”المنطقة الرمادية” في تدبير المباريات العمومية؛ إذ أثار مسألة حصر الترشيحات في تخصصات دقيقة بناء على التسمية الجامعية فقط، دون الانطلاق من توصيف فعلي للكفاءات المطلوبة وطبيعة المهام المنتظرة من المترشحين. فبين القانون العام والقانون الخاص، توجد مساحات واسعة من التقاطع المعرفي والتكوين المشترك، سواء على مستوى المنهجية القانونية أو أدوات التحليل أو الإلمام بالنصوص والتشريعات.
ويعتبر متابعون أن الإشكال لا يكمن بالضرورة في حق المؤسسات في تحديد حاجياتها، بل في الطريقة التي يتم بها تنزيل هذا الحق عمليا. فحين تتحول بعض شروط الترشيح إلى صياغات ضيقة تُقصي فئات كاملة بشكل شبه آلي، يبرز سؤال التوازن بين خصوصية المنصب ومبدأ المساواة في الولوج إلى الوظيفة العمومية. وهو توازن يبدو، في نظر كثيرين، أنه لم يعد واضح المعالم في عدد من المباريات الأخيرة.
كما يثير هذا الوضع نقاشا موازيا حول العلاقة المرتبكة بين الجامعة وسوق الشغل العمومي. فالتقسيم الأكاديمي للتخصصات، الذي يفترض أنه وسيلة لتنظيم المعرفة وتوجيه البحث العلمي، يتحول أحيانا داخل المباريات إلى حدود صلبة تغلق إمكانيات العبور بين المسارات، حتى عندما تكون الكفاءات المكتسبة متقاربة إلى حد بعيد. وهو ما يطرح تساؤلات حول ما إذا كانت الإدارة تعتمد فعلا على تقييم موضوعي للكفاءات، أم أنها تكتفي أحياناً بمنطق التصنيف الجامعي البارد.
وفي خلفية هذا الجدل، يطفو سؤال أكبر يتعلق بصورة الوظيفة العمومية نفسها في وعي الشباب المغربي. فكلما تصاعد الإحساس بوجود شروط توصف بأنها “انتقائية” أو غير مفهومة، تآكلت الثقة في مبدأ تكافؤ الفرص، واتسعت المسافة بين الخريجين والمؤسسات التي يفترض أنها تضمن المساواة بينهم. لذلك، تبدو الدعوات المطالِبة بمراجعة منهجية تحديد التخصصات في المباريات أقرب إلى محاولة لإعادة ترميم الثقة، أكثر من كونها مجرد اعتراض ظرفي على مباراة أو إعلان توظيف.
وفي هذا السياق، دعت البرلمانية إلى الكشف عن الإجراءات المعتمدة لضمان انفتاح أكبر في مباريات التوظيف العمومي، بما يحقق توازنا بين مختلف التخصصات القانونية، ويمنع أي تمييز غير مبرر قد يمس عدالة الولوج إلى المناصب العمومية. وهي دعوة تعكس، في العمق، نقاشا يتجاوز تخصص القانون وحده، ليصل إلى سؤال مركزي: كيف يمكن للإدارة المغربية أن توفق بين حاجتها إلى الكفاءة المتخصصة، وواجبها في ضمان منافسة عادلة لا يشعر فيها أي خريج بأنه مقصي مسبقاً من السباق؟





