سباق الأضاحي على “السوشيال ميديا”.. شعيرة دينية أم عقدة نقص اجتماعية؟

مديحة المهادنة : صحافية متدربة

مواكبة_مع اقتراب عيد الأضحى، يتجدد النقاش كل سنة حول أسعار الأضاحي وقدرة الأسر على تحمّل تكاليف المناسبة، وحجم الضغط الاجتماعي الذي يرافق هذا الموعد الديني. غير أن السنوات الأخيرة أفرزت ظاهرة أخرى بدأت تفرض نفسها بقوة، تتمثل في تحوّل اقتناء الأضحية لدى بعض الفئات من شعيرة دينية مرتبطة بالتقرب إلى الله والتقوى، إلى مناسبة للاستعراض والتباهي، خاصة عبر منصات التواصل الاجتماعي.

فبعدما كان اقتناء الأضحية شأنا عائليا بسيطا تحكمه الإمكانيات المادية والنية الدينية، أصبحت صور “الحولي” ومقاطع فيديو الأسواق والمقارنات بين الأحجام والأسعار جزءا من مشهد موسمي متكرر. مشهد يبدو في ظاهره احتفاليا، لكنه يخفي في عمقه ضغطا نفسيا واجتماعيا متزايدا على أسر تجد نفسها مطالبة بمجاراة ما يعرضه الآخرون، حتى وإن كان ذلك على حساب استقرارها المالي.

وفي هذا السياق، عبّر أحد المواطنين، في تصريح لـ“إعلام تيفي”، عن استيائه من هذه الظاهرة التي قال إنها باتت تضع عددا من الآباء في مواقف محرجة أمام أبنائهم، خصوصا في ظل الظروف الاقتصادية الصعبة وارتفاع أسعار الأضاحي بشكل تجاوز القدرة الشرائية لفئات واسعة من المغاربة.

وأوضح المتحدث أن هناك أسرًا لم تعد قادرة على اقتناء أضحية “في المستوى”، بينما توجد عائلات أخرى تعجز أساسا عن شراء الأضحية بسبب محدودية الدخل اليومي وغلاء المعيشة، مضيفا أن ما يزيد من حدة هذا الإحساس هو انتشار فيديوهات لمؤثرين وأشخاص على مواقع التواصل الاجتماعي يتباهون بشراء أضاح ضخمة وباهظة الثمن، في مشاهد وصفها بـ”المستفزة” لمشاعر الفئات الهشة.

وأشار المواطن ذاته إلى أن هذه المقاطع تخلق لدى الأطفال والمراهقين إحساسا بالنقص مقارنة بما يشاهدونه لدى الآخرين، كما تولّد لدى كثير من الآباء شعورا بالعجز وعدم القدرة على تلبية انتظارات أبنائهم، رغم أنهم يبذلون ما في وسعهم لتدبير مصاريف الحياة اليومية.

وفي كثير من الحالات، لا يتوقف الأمر عند حدود مشاركة صورة الأضحية، بل يتحول إلى شكل من أشكال التفاخر غير المباشر، من خلال إبراز الثمن أو الحجم أو التعليقات التي تجعل من الأضحية معياراً للمكانة الاجتماعية. وهنا تبتعد الشعيرة تدريجياً عن معناها الروحي، لتدخل في منطق المقارنة والمظاهر، حيث يصبح السؤال الضمني: من اشترى الأكبر؟ ومن دفع أكثر؟.

ولا يمكن فصل هذا السلوك عن السياق الاقتصادي الصعب الذي تعيشه شريحة واسعة من الأسر المغربية، في ظل ارتفاع كلفة المعيشة وتزايد أعباء الكراء والفواتير والقروض والمصاريف اليومية. ففي الوقت الذي تتمكن فيه بعض العائلات من اقتناء الأضحية بسهولة، تجد أخرى نفسها أمام خيارات قاسية: إما اللجوء إلى الاقتراض، أو التضحية بمصاريف أساسية، أو مواجهة ضغط المجتمع ونظرته في حال عدم شراء الأضحية.

كما يساهم التباهي بالأضاحي في ترسيخ فكرة مغلوطة مفادها أن العيد لا يكتمل إلا بأضحية كبيرة ومرتفعة الثمن، وأن من لم يستطع اقتناءها يعيش نوعاً من النقص أو الحرج الاجتماعي. والحال أن جوهر عيد الأضحى لا يقاس بحجم الكبش ولا بثمنه، بل بقيم النية والتقوى وصلة الرحم والتضامن مع من ضاقت بهم الظروف.

ولا يعني ذلك أن الفرح بالأضحية أو مشاركة أجواء العيد مع الآخرين أمر مرفوض، غير أن الفارق كبير بين الاحتفاء البسيط بالمناسبة وبين التباهي المستفز، وبين توثيق لحظات عائلية عفوية وتحويل الشعيرة إلى واجهة للمنافسة الاجتماعية. فالمناسبات الدينية يفترض أن تقرّب الناس من بعضهم، لا أن تعمّق الفوارق بينهم.

واليوم، تبدو الحاجة ملحّة إلى إعادة الاعتبار للمعنى الحقيقي لعيد الأضحى، بعيداً عن منطق الاستعراض وثقافة المقارنة، بما يعيد لهذه المناسبة بعدها الروحي والإنساني والتضامني.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى