على تخوم جماعة أيت زينب.. ضيعة تنصت لنبض الأعشاب وتعيد صياغة الحياة (روبورتاج)

أميمة حدري
على امتداد الطريق الوطنية رقم 10 الرابطة بين ورزازات وتازناخت، يمتد خط طويل من الأرض التي تبدو في ظاهرها متشابهة، لكنها في كل منعطف تكشف وجها مختلفا من الجنوب الشرقي المغربي.
الطريق نفسها تحمل شيئا من الصمت، صمت لا تقطعه إلا حركة الريح أو مرور بعض السيارات المتباعدة، لأن المكان كله يعيش إيقاعه الخاص بعيدا عن الازدحام الذي يميز مناطق أخرى. عند الاقتراب من جماعة أيت زينب، يتغير المشهد شيئا فشيئا على نحو هادئ، والأرض تنقل نفسها من حالة إلى أخرى دون ضجيج.

وفي هذا الامتداد، تظهر ضيعة “إيزا أروم” بحلتها المختلفة. من بعيد، تبدو المساحات خضراء بشكل متدرج، تتخللها خطوط زراعة منظمة، وكأن المكان تم التفكير فيه بتأن طويل قبل أن يأخذ شكله الحالي.
الاقتراب أكثر يكشف تفاصيل أدق، نباتات مختلفة تتجاور في مساحات محسوبة، وممرات ترابية تربط بين أجزاء الضيعة في هدوء واضح. المساحة تمتد على نحو 52 هكتارا، لكنها لا تبدو مجرد رقم حين يكون المرء داخل المكان.
الإحساس الحقيقي بالمساحة يأتي من تنوع ما يوجد فيها، ومن الطريقة التي توزعت بها النباتات عبر الأرض، من النعناع بأنواعه، الفلفلي والليموني، الزعتر، اللافندر، المورينجا، الستيفيا، السالمية، وغيرها من الأعشاب الطبية والعطرية.
داخل هذا الفضاء، يظهر يوسف إيشو وهو يتحرك بين أجزاء الضيعة بهدوء يشبه طبيعة المكان نفسه. وجوده لا يطغى على المشهد، بل يندمج معه. يتحدث عن الأرض وكأنه يتحدث عن شيء يعرفه منذ زمن طويل، ليس فقط من زاوية الإنتاج، بل من زاوية العلاقة اليومية معها.

المشروع الذي انطلق قبل أربع سنوات لم يبدأ كفكرة جاهزة، بل كمسار تطور مع الوقت، ومع التجربة، ومع محاولة فهم ما يمكن أن تمنحه هذه الأرض إذا تم التعامل معها بشكل مختلف.
تعتمد الضيعة التي أسسها يوسف إيشو على نمط إنتاج بيولوجي، يقوم على تجنب الأسمدة الكيميائية والمبيدات التقليدية، والاعتماد بدل ذلك على وسائل طبيعية للحفاظ على النباتات.
هذا الاختيار، هو طريقة عمل يومية تتكرر في تفاصيل صغيرة داخل الحقول. الصابون البلدي، بيكاربونات الصوديوم، النقائع النباتية، وبعض المواد المرخصة في الفلاحة البيولوجية، كلها أدوات تستعمل ضمن هذا التصور الذي يحاول الحفاظ على توازن التربة والنبات.
ما يلفت حقا داخل هذا المكان، ليس فقط طريقة الزراعة، بل اختيار النباتات نفسها. الأعشاب الطبية والعطرية في هذه الضيعة، ليست مجرد منتوج زراعي، بل هي جزء من فهم خاص لطبيعة المنطقة. الجنوب الشرقي، المعروف بندرة المياه وارتفاع درجات الحرارة، لا يسمح بأي نوع من الزراعة دون حسابات دقيقة.

لذلك، تبدو النباتات المختارة وكأنها جاءت منسجمة مع هذا الواقع، الزعتر الذي يتحمل الجفاف، والمورينجا التي تتكيف مع الظروف القاسية، والنعناع الذي يحتاج إلى عناية أكبر في السقي، وكل نوع يجد مكانه داخل هذا التوازن.
ومع مرور الوقت، لم تبق الضيعة في حدود الإنتاج الزراعي فقط، بل بدأت تتشكل فيها مراحل أخرى مرتبطة بما بعد الزراعة. عمليات التجفيف والتقطير والسقي الحديث أعطت للنباتات قيمة إضافية، وحولتها إلى مواد قابلة للتسويق في أسواق مختلفة. فجزء من هذه المنتجات يجد طريقه نحو الخارج، إلى شركات في أوروبا وآسيا، حيث يتم استعمالها في مجالات متعددة مرتبطة بالزيوت الطبيعية والمواد العلاجية والتجميلية.
ورغم هذا الامتداد نحو الأسواق، يبقى الإحساس داخل الضيعة مرتبطا بالمكان أكثر من أي شيء آخر. لا شيء يوحي بأن الأرض انفصلت عن محيطها. على العكس، تبدو وكأنها امتداد له، لكن بطريقة أكثر انتظاما. النساء والرجال الذين يعملون هنا يتحركون بين الأشجار والمشاتل في إيقاع يومي ثابت، عمل متكرر لكنه جزء من دورة كاملة لا تتوقف.

في لحظات معينة من اليوم، خاصة عندما يهدأ العمل قليلا، يصبح المكان أقرب إلى مشهد ساكن، لكن هذا السكون لا يعني توقفا، بل مجرد استراحة قصيرة داخل حركة مستمرة، أشبه باستراحة محارب. الهواء نفسه يحمل رائحة الأعشاب، رائحة خفيفة لكنها حاضرة في كل تفاصيل المكان.
ومع اقتراب نهاية النهار، عندما تبدأ الشمس في الانحدار خلف التلال المحيطة بأيت زينب، يتغير الضوء داخل الضيعة. الظلال تمتد فوق النباتات، والألوان تصبح أكثر هدوءا، وكأن المكان كله يدخل في مرحلة أخرى من اليوم. في هذه اللحظة، يبدو المشهد أبسط مما هو عليه في الواقع، لكنه في الوقت نفسه أكثر وضوحا، أرض تشتغل بصبر، ونباتات تنمو وفق إيقاعها الخاص، وتجربة تتشكل يوما بعد يوم دون إعلان أو ضجيج.





