تقرير أممي صادم: وظائف ستختفي بالمغرب بسبب الذكاء الاصطناعي

حسين العياشي
تقرير_ لم يعد الذكاء الاصطناعي في المغرب مجرد فكرة مرتبطة بالمستقبل أو تقنية تُناقش داخل المؤتمرات والجامعات، بل أصبح واقعا يتسلل بهدوء إلى قطاعات حيوية تمس الحياة اليومية للمغاربة، من النقل والصناعة إلى الفلاحة والخدمات الرقمية. غير أن هذا التحول، الذي يُسوَّق باعتباره بوابة نحو اقتصاد أكثر إنتاجية وابتكارا، بدأ يثير في المقابل أسئلة مقلقة حول مصير آلاف الوظائف التقليدية، ومن سيكون الرابح الأكبر ومن سيدفع الثمن.
تقرير أممي حديث، أعدته منظمة العمل الدولية التابعة للأمم المتحدة بشراكة مع لجنة الأمم المتحدة الاقتصادية والاجتماعية لغرب آسيا “الإسكوا”، يرسم صورة مزدوجة لهذا التحول: فرص اقتصادية واعدة من جهة، ومخاطر اجتماعية ومهنية حقيقية من جهة أخرى، في أفق سنة 2035.
الوظائف الروتينية في عين العاصفة
بحسب التقرير، فإن أولى المهن المهددة بالانكماش أو الاختفاء هي تلك المرتبطة بالمهام الإدارية المتكررة والأعمال الروتينية القابلة للأتمتة. الأمر يتعلق بوظائف إدخال البيانات، وأمناء الصناديق، وبعض مهام البيع بالتقسيط، إضافة إلى الوظائف الإدارية التي لا تتطلب اتخاذ القرار أو التحليل.
في المغرب، تبدو هذه الفئة واسعة أكثر مما يُعتقد، خاصة داخل الإدارات والشركات الصغيرة والمتوسطة التي تعتمد بشكل كبير على الأعمال المكتبية التقليدية. ومع تطور أدوات الذكاء الاصطناعي التوليدي، لم يعد تنفيذ هذه المهام يحتاج إلى وقت طويل أو موارد بشرية كبيرة، ما يجعل العديد من المؤسسات تميل تدريجيا نحو تقليص الكلفة البشرية وتعويضها بالحلول الرقمية.
النساء أكثر عرضة للخطر
التقرير الأممي يلفت الانتباه أيضا إلى معطى حساس يتعلق بالفوارق بين الجنسين. فالنساء، بحكم حضورهن الكبير في الوظائف الإدارية والمكتبية، يُعتبرن أكثر عرضة لخطر الأتمتة مقارنة بالرجال.
هذا المعطى يفتح الباب أمام احتمال اتساع الفجوة المهنية والاجتماعية إذا لم تُواكب التحولات الرقمية بسياسات عمومية تضمن إعادة التأهيل والتكوين المستمر، خصوصا بالنسبة للفئات الأكثر هشاشة داخل سوق الشغل.
مهن جديدة تولد في المقابل
لكن الصورة ليست قاتمة بالكامل. ففي مقابل الوظائف التي قد تختفي، يتوقع التقرير ظهور طلب متزايد على مهن جديدة مرتبطة بالاقتصاد الرقمي والتكنولوجيا والخدمات ذات القيمة المعرفية العالية.
قطاع التعليم يأتي في مقدمة المجالات المرشحة لخلق فرص شغل إضافية، سواء من خلال الحاجة إلى مدرسين متخصصين أو إلى تكوينات جديدة مرتبطة بالمهارات الرقمية. كما ينتظر أن يشهد قطاع الصحة بدوره توسعا في الطلب على الكفاءات، إلى جانب مجالات الإدارة الحديثة، والهندسة، وتحليل البيانات، والبرمجة، والذكاء الاصطناعي.
وبالنسبة للمغرب، فإن هذه التحولات تعني شيئا أساسيا: الرياضيات، والمعلوميات، والهندسة، لم تعد تخصصات “اختيارية” أو نخبوية، بل تتحول تدريجيا إلى مفاتيح رئيسية للاندماج في سوق الشغل خلال السنوات المقبلة.
النقل واللوجستيك.. قطاعات قد تربح الرهان
ومن بين القطاعات التي قد تستفيد بشكل مباشر من موجة الذكاء الاصطناعي، يبرز النقل واللوجستيك، خاصة مع الاستثمارات المتزايدة في البنيات التحتية الرقمية والمناطق الصناعية والموانئ.
ويبدو المغرب في موقع يسمح له بتحقيق مكاسب مهمة في هذا المجال، بالنظر إلى التوسع الصناعي الذي تعرفه عدد من المناطق، والدور المتنامي للموانئ والمنصات اللوجستية في جذب الاستثمارات الدولية.
الشباب أمام فرصة تاريخية.. لكن بشروط
التقرير يعتبر أن الفئة العمرية ما بين 15 و24 سنة هي الأكثر قدرة على الاستفادة من التحول الذي يفرضه الذكاء الاصطناعي، بحكم علاقتها الطبيعية بالتكنولوجيا وسهولة تأقلمها مع الأدوات الرقمية الجديدة.
غير أن هذه الفرصة تصطدم بمعطى مقلق داخل المغرب والمنطقة العربية عموما: شريحة واسعة من الشباب لا تشتغل ولا تتابع الدراسة أو التكوين، وهي الفئة المعروفة اختصارا بـ”NEET”.
وفي المغرب، تشير معطيات المندوبية السامية للتخطيط إلى أن حوالي شاب واحد من كل ثلاثة، تتراوح أعمارهم بين 15 و29 سنة، يوجدون خارج الدراسة وسوق الشغل والتكوين، مع ارتفاع أكبر وسط الشابات.
ويحذر التقرير من أن استمرار هذا الوضع قد يجعل جزءا مهما من الشباب المغربي خارج التحول الرقمي العالمي، في وقت تتغير فيه طبيعة الوظائف بوتيرة غير مسبوقة.
كبار السن.. الفئة الأكثر هشاشة
إذا كان الشباب يملكون فرصة الاندماج السريع في الاقتصاد الجديد، فإن العاملين الذين تتجاوز أعمارهم 55 سنة يبدون الأكثر عرضة للإقصاء.
ويرجع التقرير ذلك إلى عاملين أساسيين: ضعف فرص إعادة التأهيل المهني، وقصر المدة المتبقية قبل التقاعد، ما يجعل الاستثمار في التكوين أقل جاذبية بالنسبة للمؤسسات والأفراد معا.
وفي بلد يشكل فيه العمل غير المهيكل نسبة ضخمة من سوق الشغل، تبدو هذه الفئة أكثر هشاشة، خاصة في ظل ضعف أنظمة الحماية الاجتماعية والتعويض عن فقدان الشغل.
المقاولات الصغيرة أمام اختبار البقاء
التقرير يتوقف أيضا عند وضعية المقاولات الصغيرة جدا والصغرى والمتوسطة، التي تمثل العمود الفقري للنسيج الاقتصادي المغربي.
ورغم أن الذكاء الاصطناعي قد يمنح هذه المقاولات أدوات مهمة لتحسين المحاسبة والتسويق وإدارة المخزون، فإن الاستفادة من هذه الإمكانيات تظل مرتبطة بمدى جاهزيتها الرقمية.
التحذير هنا واضح: بدون مواكبة حقيقية، قد يتحول الذكاء الاصطناعي إلى عامل يوسع الفجوة بين مقاولات مهيكلة ومجهزة رقميا، وأخرى صغيرة تعاني أصلا من الهشاشة وضعف الاستثمار.
خمس وصفات أممية لتفادي “صدمة الذكاء الاصطناعي”
ولتجنب السيناريو الأسوأ، يقترح التقرير الأممي خمس إجراءات يعتبرها ضرورية وعاجلة.
أولها إنشاء صندوق وطني لدعم العمال الذين قد يفقدون وظائفهم بسبب الذكاء الاصطناعي، مع توفير مساعدات مالية مؤقتة وبرامج إعادة تأهيل مهني معترف بها.
التوصية الثانية تدعو إلى إحداث مراصد متخصصة تتابع بشكل دوري المهن المهددة، بهدف التدخل المبكر قبل تفاقم الأزمة.
أما التوصية الثالثة، فتهم إصلاح المناهج الدراسية بشكل عاجل، بعدما كشف التقرير وجود فجوة كبيرة بين ما تدرسه الجامعات العربية وما يحتاجه سوق الشغل الرقمي.
كما يدعو التقرير إلى دعم تكوين المقاولات الصغيرة في مجالات الذكاء الاصطناعي، وإلى حماية العاملين في القطاع غير المهيكل عبر إدماجهم تدريجيا داخل المنظومة الرقمية.
سباق مع الزمن
الخلاصة التي يصل إليها التقرير تبدو واضحة وصريحة: الذكاء الاصطناعي ليس خطرا حتميا، لكنه قد يتحول إلى أزمة اجتماعية إذا تُرك دون توجيه أو مواكبة.
ففي عالم يتغير بسرعة، لن يكون السؤال مستقبلا: “هل سيصل الذكاء الاصطناعي إلى المغرب؟”، بل: “هل المغرب مستعد فعلا لما سيغيره الذكاء الاصطناعي؟”.
ويحذر التقرير من أن القرارات التي ستُتخذ خلال سنتي 2026 و2027 قد تحدد بشكل كبير ما إذا كان الذكاء الاصطناعي سيصبح محركا لخلق فرص الشغل، أم آلة جديدة لتوسيع الهشاشة والفوارق الاجتماعية.





