المغرب أمام قنبلة اقتصادية صامتة.. “القطاع غير المهيكل” يتمدد

حسين العياشي
تقرير_بينما يواصل المغرب تسريع أوراش الحماية الاجتماعية والإصلاح الجبائي وتوسيع قاعدة المساهمين في أنظمة التغطية الاجتماعية، تصطدم هذه الطموحات بواقع اقتصادي معقد: أغلبية العمال المغاربة ما يزالون يشتغلون خارج المنظومة الرسمية، دون تصريح، ودون مساهمات اجتماعية، ودون أي حماية مهنية حقيقية.
أحدث تقرير للمندوبية السامية للتخطيط، الصادر في ماي 2026 تحت عنوان “القطاع غير المهيكل والنوع الاجتماعي والشيخوخة: التفاوتات التراكمية والآثار بين الأجيال”، يكشف أن أكثر من ثلاثة أرباع مناصب الشغل في المغرب توجد خارج الدوائر الرسمية للاقتصاد، في معطى يعكس حجم التحدي الذي يواجه الدولة في معركة “إدماج الاقتصاد غير المهيكل”.
الأمر لم يعد مجرد نقاش تقني أو إداري، بل تحول إلى سؤال اقتصادي واجتماعي ثقيل: كيف يمكن تمويل الحماية الاجتماعية وتوسيع الوعاء الضريبي، بينما أغلب اليد العاملة لا تساهم أصلا داخل النظام؟
اقتصاد موازٍ بحجم دولة كاملة
خلف الأرقام الرسمية، توجد صورة أكثر تعقيدا لسوق الشغل المغربي. ملايين المغاربة يشتغلون يوميا في أنشطة غير مصرح بها، داخل محلات صغيرة، وورشات عائلية، وخدمات بسيطة، وأعمال موسمية، دون عقود أو تغطية اجتماعية أو استقرار مهني.
التقرير يتحدث عن أكثر من مليوني وحدة إنتاجية تنشط داخل الاقتصاد غير المهيكل، أغلبها يشتغل بهوامش ربح ضعيفة، وقدرات استثمار محدودة، ما يجعل الانتقال نحو القطاع الرسمي مكلفا أو غير مغرٍ بالنسبة لعدد كبير من العاملين.
هنا تحديدا تكمن المعضلة: الدولة تحتاج إلى توسيع قاعدة المساهمين، لكن جزءا واسعا من الاقتصاد يعيش أصلا في حالة هشاشة تجعل “الاندماج الرسمي” عبئا إضافيا بدل أن يكون فرصة.
سوق شغل ضعيف.. وبطالة مرتفعة
المعطيات التي أوردها التقرير تكشف أيضا اختلالات أعمق داخل سوق العمل المغربي. ففي سنة 2025، لم يتجاوز معدل النشاط الوطني 43,5 في المائة، بينما بلغ معدل البطالة 13,3 في المائة على المستوى الوطني.
أما الشباب، فيظلون الحلقة الأضعف، بعدما تجاوز معدل البطالة وسط الفئة العمرية بين 15 و24 سنة نسبة 36 في المائة، وفق أرقام المندوبية السامية للتخطيط.
هذا الخليط بين البطالة المرتفعة، وضعف المشاركة الاقتصادية، والانتشار الواسع للعمل غير المهيكل، يؤدي إلى نتيجة مباشرة: سوق شغل رسمي محدود وغير قادر على استيعاب الأعداد المتزايدة من الباحثين عن العمل.
الأزمة أعمق من مجرد “مراقبة”
التقرير يرفض اختزال ظاهرة الاقتصاد غير المهيكل في ضعف المراقبة أو غياب الصرامة القانونية، معتبرا أن جذور المشكلة مرتبطة بطبيعة النموذج الاقتصادي نفسه.
فالنسيج الإنتاجي المغربي، بحسب التقرير، ما يزال قائما بشكل كبير على أنشطة صغيرة وضعيفة الإنتاجية، تشتغل برؤوس أموال محدودة وقيمة مضافة منخفضة، وهو ما يجعل قدرتها على تحمل تكاليف التصريح والضرائب والمساهمات الاجتماعية ضعيفة جدا.
بمعنى آخر، المشكل ليس فقط في “رفض” الاندماج داخل الاقتصاد الرسمي، بل أحيانا في “العجز” عن ذلك.
الإنتاجية.. الحلقة المفقودة
هذا الواقع لا ينعكس فقط على الحماية الاجتماعية، بل يمتد أيضا إلى النمو الاقتصادي نفسه. فبنك المغرب سبق أن نبه في أكثر من مناسبة إلى أن ضعف الإنتاجية يمثل أحد أبرز العوائق أمام تسريع النمو الاقتصادي بالمملكة.
اقتصاد يقوم على أنشطة منخفضة القيمة المضافة، وعلى شغل غير مهيكل واسع، يجد صعوبة في تحقيق قفزات قوية في الإنتاج والاستثمار والابتكار.
ولهذا، يرى التقرير أن إدماج القطاع غير المهيكل لا يمكن أن يتم فقط عبر القوانين أو العقوبات، بل عبر خلق بيئة اقتصادية تجعل “العمل الرسمي” أكثر جدوى وربحية واستقرارا.
النساء في قلب الهشاشة الاقتصادية
التقرير يتوقف أيضا عند الفجوة الكبيرة التي تطبع مشاركة النساء في سوق الشغل. ففي سنة 2024، لم يتجاوز معدل النشاط لدى النساء 19,1 في المائة، مقابل 68,6 في المائة لدى الرجال.
الأخطر من ذلك أن حوالي 70 في المائة من النساء النشيطات يشتغلن داخل أشكال من العمل غير المهيكل، خاصة في الأنشطة الفلاحية والخدمات القريبة والعمل غير المؤدى عنه داخل الأسرة.
هذا الوضع لا يحرم النساء فقط من الحماية الاجتماعية، بل يقلص أيضا من الإمكانات الاقتصادية والجبائية للبلاد، في وقت يحتاج فيه المغرب إلى توسيع قاعدة المساهمين بشكل عاجل.
حتى حاملو الشهادات لم يعودوا محصنين
الأزمة لا تقتصر على الفئات الهشة فقط، بل تمتد حتى إلى خريجي الجامعات. فالتقرير يشير إلى أن معدل البطالة وسط حاملي الشهادات العليا يتجاوز 19 في المائة، ما يدفع عددا متزايدا منهم نحو القبول بأعمال هشة أو غير مستقرة أو خارج القطاع الرسمي.
وهو ما يكشف مفارقة لافتة: حتى التعليم العالي لم يعد يضمن بالضرورة الاندماج داخل سوق شغل رسمي ومستقر.
“المقاول الذاتي” والرقمنة.. هل تكفي الحلول الحالية؟
خلال السنوات الأخيرة، حاول المغرب تخفيف الحواجز أمام الاندماج الرسمي عبر مجموعة من الإصلاحات، من أبرزها نظام “المقاول الذاتي”، الذي استهدف تبسيط التصريح بالنسبة للعاملين المستقلين وأصحاب الأنشطة الصغيرة.
كما اتجهت الإدارة الضريبية نحو توسيع الرقمنة وتبسيط مساطر التصريح والأداء الإلكتروني، بهدف تقليص الكلفة الإدارية وتحسين تتبع الأنشطة الاقتصادية.
لكن التقرير يعتبر أن هذه الإجراءات، رغم أهميتها، تظل غير كافية لوحدها، لأن جزءا كبيرا من العاملين غير المهيكلين يوجدون أصلا داخل أنشطة ضعيفة الربحية، تجعل كلفة الاندماج أعلى من الفوائد المنتظرة.
معركة اقتصادية واجتماعية في الآن نفسه
الخلاصة التي يصل إليها التقرير تبدو واضحة: إدماج الاقتصاد غير المهيكل لم يعد فقط ملفا ضريبيا أو إداريا، بل أصبح رهانا استراتيجيا يتعلق بمستقبل النمو الاقتصادي والتماسك الاجتماعي في المغرب.
ففي بلد ما يزال أكثر من 75 في المائة من الشغل فيه خارج أنظمة المساهمة الاجتماعية، تصبح “الهيكلة” معركة مزدوجة: معركة لرفع الإنتاجية والقدرة التنافسية من جهة، ومعركة لحماية ملايين المغاربة من الهشاشة والإقصاء الاجتماعي من جهة أخرى.
ويبقى السؤال الأكبر معلقا: هل يستطيع المغرب تحويل الاقتصاد غير المهيكل من عبء مزمن إلى قوة اقتصادية منتجة؟ أم أن الفجوة بين الاقتصاد الرسمي والاقتصاد الموازي ستواصل الاتساع في السنوات المقبلة؟





