إصلاحات التعليم والصحة بالمغرب.. تقدم في المؤشرات وتعثر في النتائج

أميمة حدري

تقرير_ تتواصل بالمغرب منذ سنوات أوراش إصلاح قطاعي التعليم والصحة باعتبارهما من الركائز الأساسية لبناء رأسمال بشري قادر على مواكبة متطلبات التنمية الاقتصادية والاجتماعية، غير أن حصيلة هذه الإصلاحات، رغم ما رافقها من استثمارات مالية وبرامج هيكلية ومشاريع تحديث، ما تزال تثير نقاشا واسعا بشأن مدى انعكاسها الفعلي على جودة الخدمات المقدمة للمواطنين وعلى مؤشرات التنمية البشرية بشكل عام.

وفي هذا السياق، سجل تقرير صادر عن مركز الاستشراف الاقتصادي والاجتماعي، توصل موقع “إعلام تيفي” بنسخة منه، أن النتائج المحققة على مستوى التعليم والصحة لا تزال دون مستوى الطموحات التي حددها النموذج التنموي الجديد، رغم التقدم المسجل في عدد من المؤشرات المرتبطة بتوسيع الولوج إلى الخدمات وتعزيز التغطية الاجتماعية.

وعلى مستوى قطاع التعليم، أشار التقرير إلى أن الإصلاحات المتعاقبة التي شهدتها المنظومة التربوية، وما رافقها من مخططات وبرامج تروم تحسين جودة التعلمات والرفع من مردودية المدرسة العمومية، لم تنجح بعد في تحقيق التحول المنشود على مستوى النتائج.

وتبرز مؤشرات التقييمات الدولية استمرار التحديات المرتبطة باكتساب الكفاءات الأساسية، حيث أظهرت نتائج برنامج التقييم الدولي للتلاميذ لسنة 2022 استمرار تموقع المغرب ضمن المراتب المتأخرة عالميا في مجالات القراءة والرياضيات والعلوم، وهو ما يعكس استمرار الصعوبات المرتبطة بجودة التعلمات داخل المؤسسات التعليمية.

كما يظل الهدر المدرسي أحد أبرز التحديات التي تواجه المنظومة التعليمية، إذ يشير المصدر ذاته إلى استمرار تسجيل أعداد مرتفعة من المنقطعين عن الدراسة سنويا، خاصة في السلك الإعدادي وفي المناطق القروية، رغم توسيع برامج الدعم الاجتماعي وتعميم التعليم الأولي.

ويضاف إلى ذلك استمرار الفوارق المجالية في الولوج إلى تعليم جيد، في ظل ما تعانيه بعض المناطق من خصاص في البنيات التحتية والتجهيزات والموارد البشرية، الأمر الذي يحد من قدرة المدرسة على الاضطلاع بدورها كرافعة للترقي الاجتماعي وتقليص الفوارق الاجتماعية.

وفي القطاع الصحي، ورغم التقدم الذي تحقق في مجال تعميم التغطية الصحية وتوسيع قاعدة المستفيدين من التأمين الإجباري عن المرض، فإن إشكالية جودة الخدمات الصحية والولوج الفعلي إلى العلاج ما تزال مطروحة بقوة، خاصة في المناطق القروية والمجالات الترابية الأقل استفادة من التنمية.

وسجل مركز الاستشراف الاقتصادي والاجتماعي أن المنظومة الصحية تواجه خصاصا مستمرا في الموارد البشرية، رغم الارتفاع الملحوظ في عدد مهنيي الصحة خلال السنوات الأخيرة، وذلك في ظل استمرار هجرة الأطباء نحو الخارج وتفاوت توزيع الأطر الصحية بين الجهات.

كما تبرز الفوارق المجالية كواحدة من أبرز التحديات التي تعيق تحقيق العدالة الصحية، حيث تتركز نسبة مهمة من الأطر الطبية والتجهيزات الصحية بالمراكز الحضرية الكبرى، في حين تعاني مناطق أخرى من محدودية العرض الصحي وضعف البنيات الاستشفائية، وهو ما ينعكس على جودة الخدمات المقدمة للمواطنين وعلى سرعة الاستجابة لحاجياتهم العلاجية.

وأشار التقرير كذلك إلى أن تعميم التغطية الصحية لم يواكبه دائما تحسن مواز في أداء المؤسسات الصحية العمومية، إذ ما تزال المستشفيات العمومية تواجه ضغطا متزايدا مرتبطا بالطلب المتنامي على الخدمات الصحية، إلى جانب التحديات المرتبطة بالتجهيزات والموارد البشرية ومواعيد العلاج والاستشفاء.

وفي المقابل، تستفيد المؤسسات الصحية الخاصة من جزء مهم من نفقات التأمين الإجباري عن المرض، ما يطرح تساؤلات بشأن التوازن المطلوب بين القطاعين العام والخاص في ضمان الحق في العلاج.

ويرى التقرير أن بناء رأسمال بشري قوي ومؤهل يظل رهانا استراتيجيا بالنسبة للمغرب، غير أن تحقيق هذا الهدف يقتضي تجاوز المقاربة القائمة على توسيع الولوج إلى الخدمات فقط، والانتقال نحو التركيز على جودة المخرجات ونجاعة السياسات العمومية. فنجاح الإصلاحات لا يقاس بحجم البرامج المعلنة أو الاعتمادات المالية المرصودة، وإنما بمدى قدرتها على تحسين جودة التعلمات، والرفع من مستوى الخدمات الصحية، وتعزيز فرص الاندماج الاجتماعي والاقتصادي للمواطنين.

ويخلص التقرير إلى أن قطاعي التعليم والصحة يظلان في صلب رهانات التنمية بالمغرب، وأن تحقيق الأهداف التي رسمها النموذج التنموي الجديد يمر عبر تسريع وتيرة الإصلاحات الهيكلية، ومعالجة الاختلالات المتراكمة، وضمان التقائية السياسات العمومية بما يسمح بتحويل المؤشرات الإيجابية المسجلة على مستوى التغطية والولوج إلى نتائج ملموسة تنعكس بشكل مباشر على جودة الحياة وتعزيز الرأسمال البشري.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى