الصندوق الأسود لملف المنصوري.. ما لم يُقل للرأي العام

حسين العياشي
في السياسة، لا يكفي أن يكون الملف معقدا حتى يثير الجدل؛ أحيانا يكفي أن يلتقي التوقيت الحساس مع سرعة الشائعات حتى يتحول موضوع تقني إلى قضية رأي عام. وهذا بالضبط ما وقع في الجدل الذي أحاط مؤخرا باسم فاطمة الزهراء المنصوري، وزيرة إعداد التراب الوطني والتعمير والإسكان وسياسة المدينة والمنسقة الوطنية للقيادة الجماعية لحزب الأصالة والمعاصرة، بعدما خرجت إلى السطح معطيات متضاربة، وتأويلات متسارعة، وروايات حاولت أن تقدّم الملف وكأنه فضيحة مكتملة الأركان قبل أن تقول الوثائق كلمتها الأخيرة.
في هذا السياق، اختار سمير كودار، رئيس قطب التنظيم بحزب الأصالة والمعاصرة، أن يخرج بالنقاش من دائرة الانطباعات إلى دائرة المعطيات، مقدما رواية مضادة لما يتم تداوله على نطاق واسع في مواقع التواصل وبعض المنابر، ومعتبرا أن ما يجري لا ينفصل عن مناخ سياسي مشحون تقترب فيه الاستحقاقات الانتخابية، حيث تصبح بعض الملفات أكثر قابلية للتضخيم، وبعض الأسماء أكثر عرضة للاستهداف.
وبحسب كودار، فإن أول ما يختل في الرواية المتداولة هو أصل الأرض موضوع الجدل. فالأرض، كما يقول، ليست أرض دولة ولا أرض جيش كما تم الترويج لذلك، بل هي ملك خاص اقتناه والد المنصوري، الراحل عبد الرحمن المنصوري، سنة 1977 من شخص خاص، قبل أن تصبح محفظة قانونيا. وهي نقطة تسحب من تحت أقدام الكثير من التأويلات الأكثر صخباً، لأنها تنقل النقاش من شبهة الاستحواذ على الملك العمومي إلى مسار عقاري خاص تحكمه مساطر معروفة.
أما النقطة الثانية، فهي مرتبطة بفرضية استغلال المنصب، وهي التهمة التي كثيرا ما تكفي وحدها لإشعال الرأي العام. لكن كودار يؤكد أن تصميم التهيئة الخاص بتسلطانت صودق عليه سنة 2017، أي قبل أن تتولى المنصوري مسؤولياتها الحالية، سواء كوزيرة أو كعمدة. وهي معطى أساسي في هذا النوع من القضايا، لأن الفارق الزمني هنا ليس تفصيلاً شكلياً، بل عنصر حاسم في تقييم وجود أو غياب شبهة تضارب المصالح.
ويضيف القيادي في “البام” أن مسطرة التعمير نفسها تمر عبر مراحل قانونية واضحة، تبدأ بالبحث العمومي، ثم الإشهار والإيداع، وصولا إلى النشر بالجريدة الرسمية، ما يعني، في قراءته، أن الملف لم يخرج عن القنوات الإدارية المعمول بها. وفي مثل هذه الحالات، لا تكون قوة الرد في العبارات العالية، بل في التذكير بأن مسار التعمير لا يُختزل في صورة متداولة أو تعليق غاضب على منصة رقمية.
وإذا كانت بعض الأصوات ركزت على مساحة العقار، فإن كودار اختار الرد بالأرقام لا بالانطباعات. فالمساحة المعنية، حسب ما صرح به، لا تتجاوز 66 هكتارا، وهي نسبة ضئيلة جدا من المجال الذي فتحه تصميم التهيئة للتعمير، والذي شمل نحو 8700 هكتار، بينما لم يتم فتح سوى 5800 هكتار منها. كما يشير إلى أن المنطقة شهدت الترخيص لمئات المشاريع منذ 2017، وأن مشروع عائلة المنصوري ليس سوى واحد من بينها، ما يعني، وفق هذا المنطق، أن تضخيم الملف لا يجد سنده في حجم المشروع بقدر ما يجد وقوده في الاسم المرتبط به.
لكن أكثر ما يلفت في هذا الرد ليس فقط تفنيد المعطيات، بل الطريقة التي حاول بها كودار نقل النقاش من خانة “الفضيحة” إلى خانة “الانتقائية”. فحين يصبح مشروع واحد مادة ضجيج واسع، بينما تمر عشرات المشاريع الأخرى بصمت، يصبح السؤال السياسي مشروعاً: لماذا هذا الملف بالذات؟ ولماذا الآن؟ وهل يتعلق الأمر فعلاً بنقاش عمومي حول الشفافية، أم بتوظيف سياسي مبكر لملف قابل للاشتعال؟
هنا تحديدا تختلط السياسة بالإعلام، وتدخل الحسابات الانتخابية على الخط، فيتحول العقار من موضوع إداري إلى أداة في معركة الرموز. ولذلك بدت رسالة كودار، في جوهرها، أبعد من الدفاع عن اسم داخل الحزب؛ كانت محاولة لقول شيء آخر: إن بعض الملفات لا تُقرأ فقط بعيون القانون، بل أيضا بعيون السياق. والسياق، في هذه الحالة، يقول إن الاقتراب من الموسم الانتخابي يجعل أي ملف مرتبط بشخصية وازنة قابلا لأن يتحول إلى اختبار سياسي أكثر منه تحقيقاً في وقائع.
وبينما يستمر الجدل خارج أسوار الوثائق، يبدو أن الحزب اختار ألا يرد بالصمت، بل برواية مضادة تستند إلى التسلسل الزمني، وإلى طبيعة الملكية، وإلى المساطر القانونية، في محاولة لإعادة ضبط النقاش قبل أن يستقر في الوعي العام بصيغة واحدة فقط. فالمعركة، في النهاية، لم تعد حول أرض في تسلطانت وحدها، بل حول من يملك حق سرد القصة أولاً: الضجيج أم الوثيقة؟





