عمر أعنان لـ “إعلام تيفي “: دعم استيراد الأغنام لم يحقق هدفه الاجتماعي (حوار)

مديحة المهادنة: صحافية متدربة
حوار_ في ظل الجدل الذي رافق برنامج دعم استيراد الأغنام الموجهة لعيد الأضحى خلال سنتي 2023 و2024، وما أثاره من تساؤلات بشأن مدى انعكاس الأموال العمومية المرصودة على أسعار الأضاحي والقدرة الشرائية للأسر المغربية، يواصل الملف إثارة النقاش داخل الأوساط السياسية والبرلمانية.

وفي هذا الحوار، يقدم عمر أعنان، النائب البرلماني عن حزب الاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية بعمالة وجدة-أنجاد، قراءته لحصيلة هذا الدعم، متوقفا عند مكامن الخلل في آليات التتبع والمراقبة، ومطالبا بمزيد من الشفافية في الكشف عن المستفيدين من المال العام، كما يدعو إلى اعتماد سياسة وطنية شاملة لإعادة بناء القطيع الوطني ومعالجة الاختلالات البنيوية التي يعرفها قطاع اللحوم الحمراء.
كيف تقيمون حصيلة دعم استيراد الأغنام، خاصة أن الدولة خصصت مبالغ مهمة، ولكن المواطن لم يلمس انخفاضا واضحا في أسعار الأضاحي؟
تقييمنا لهذه الحصيلة هو أنها لم تحقق الهدف الاجتماعي المباشر الذي أُعلنت من أجله. الحكومة خصصت، حسب المعطيات الرسمية، حوالي 437 مليون درهم لدعم استيراد الأغنام الموجهة لعيد الأضحى خلال سنتي 2023 و2024، بمعدل يقارب 500 درهم عن كل رأس. وتم استيراد حوالي 875 ألف رأس، منها 386 ألف رأس سنة 2023 و489 ألف رأس سنة 2024.
لكن السؤال الجوهري ليس كم استوردنا، بل هل وصل أثر هذا الدعم إلى المواطن؟ من خلال واقع الأسواق، الجواب هو لا. المواطن لم يلمس انخفاضاً واضحاً في الأسعار، بل وجد نفسه أمام أضاحٍ بأثمنة مرتفعة وفي كثير من الحالات خارج قدرته الشرائية. لذلك نعتبر أن الدعم لم يحقق أثره الاجتماعي المنتظر، فالمال العمومي صُرف والاستيراد تم، لكن الأسعار ووضعية القطيع لم تشهدا التحسن المطلوب.
الدعم العمومي كان الهدف منه تخفيف الأسعار وضمان وفرة العرض، لكن عددا كبيرا من الأسر لم تستطع اقتناء الأضحية، أين وقع الخلل؟
الخلل وقع في ثلاثة مستويات أساسية. أولا، غياب ربط الدعم بسقف واضح للأسعار. عندما تمنح الدولة دعما ماليا للمستورد، فمن المفروض أن يكون هناك التزام مقابل يتعلق بسعر البيع والمراقبة وتتبع مسار الرؤوس المستوردة من الميناء إلى السوق.
ثانيا، ضعف المراقبة داخل سلاسل التوزيع، حيث تتدخل عدة حلقات بين المستورد والمستهلك النهائي، ما يؤدي إلى ارتفاع الأسعار بشكل متواصل.
أما ثالثا ، فالحكومة تعاملت مع الأزمة بمنطق ظرفي مرتبط بعيد الأضحى، في حين أن الإشكال أعمق ويرتبط بتراجع القطيع الوطني والجفاف وارتفاع أسعار الأعلاف وضعف دعم الكساب الصغير وغياب رؤية متكاملة لإعادة بناء القطيع الوطني.
هل تتوفرون على معطيات دقيقة حول المستفيدين من هذا الدعم؟ ومن حق الرأي العام أن يعرف من استفاد من المال العام؟
المعطيات الرسمية المنشورة تتحدث عن عدد المستوردين والرؤوس المستوردة والكلفة الإجمالية للدعم. وقد تم الإعلان عن استفادة حوالي 156 مستوردا خلال سنتي 2023 و2024، مع وجود اختلافات طفيفة في بعض الأرقام المتداولة.
لكن الإشكال الحقيقي هو أن الرأي العام لا يتوفر على صورة واضحة ومفصلة حول هوية المستفيدين وحجم الدعم الذي حصل عليه كل واحد منهم وعدد الرؤوس التي استوردها والأسعار التي تم بها التسويق.
نحن لا نتهم أحدا، لكننا نطالب بالشفافية الكاملة. فعندما يتعلق الأمر بالمال العام، من حق المواطن أن يعرف من استفاد وكيف تم صرف هذا الدعم وما إذا كانت الالتزامات قد تم احترامها أم لا.
كيف يمكن إقناع المواطن بأن الدعم وُجه لحماية قدرته الشرائية بينما ظلت الأسعار مرتفعة؟
لا يمكن إقناع المواطن بالخطاب وحده. المواطن يحكم من خلال الواقع الذي يعيشه داخل السوق.
إذا كانت الحكومة تؤكد أن الدعم وُجه لحماية القدرة الشرائية، فعليها أن تجيب عن سؤال بسيط: لماذا لم ينخفض السعر النهائي للأضحية؟ وإذا كان المستورد قد استفاد من 500 درهم عن كل رأس إضافة إلى إعفاءات وتسهيلات أخرى، فمن الذي استفاد فعلياً من هامش هذا الدعم؟
القدرة الشرائية لا تُقاس بالنوايا، بل بالنتائج. والنتيجة التي عاشها المواطن هي أن عدداً كبيراً من الأسر لم يتمكن من اقتناء الأضحية أو اضطر إلى الاقتراض أو التخلي عنها بسبب ارتفاع الأسعار.
هل نحن أمام فشل في سياسة ظرفية مرتبطة بعيد الأضحى أم أمام أزمة بنيوية في تدبير ملف اللحوم الحمراء؟
نحن أمام الأمرين معا. هناك فشل ظرفي لأن عملية دعم استيراد الأغنام لم تحقق الهدف المباشر المتعلق بتخفيف الأسعار خلال عيد الأضحى.
لكن الأخطر أننا أمام أزمة بنيوية في قطاع اللحوم الحمراء، مرتبطة بتراجع القطيع الوطني وتوالي سنوات الجفاف وارتفاع تكلفة الأعلاف وضعف حماية الكساب الصغير وغياب مخزون استراتيجي حيواني وترك السوق لمنطق الوسطاء والمضاربين.
الحل اليوم يتطلب سياسة وطنية جديدة تقوم على إعادة بناء القطيع الوطني، ودعم الكسابين الصغار والمتوسطين، وتوفير الأعلاف بأسعار معقولة، وتشديد الرقابة على المضاربة، ونشر لوائح المستفيدين من الدعم، وربط أي دعم عمومي بأثر مباشر وقابل للقياس على الأسعار
هل تكشف جهة الشرق محدودية المقاربة الحكومية في ملف دعم الأضاحي واللحوم الحمراء؟
إذا أخذنا جهة الشرق كنموذج، فإن الإشكال يبدو أكثر وضوحا. فالجهة تعاني من ضعف التساقطات وتراجع المراعي وارتفاع تكاليف النقل والأعلاف، إضافة إلى هشاشة القدرة الشرائية لعدد كبير من الأسر.
ورغم هذه الخصوصيات، لم نلمس إجراءات استثنائية تستجيب لوضعية الجهة. فالمواطن في وجدة وبركان وتاوريرت وجرادة وفجيج والناظور وجد نفسه أمام أسعار مرتفعة جداً، في وقت كانت فيه الساكنة والكسابة الصغار بحاجة إلى دعم أكثر استهدافا وإنصافا.
لذلك نعتبر أن تجربة جهة الشرق تكشف محدودية المقاربة الحكومية الحالية، لأن الدعم إذا لم يراع الفوارق المجالية والخصوصيات المحلية، فإنه يفقد جزءا كبيرا من فعاليته ولا يحقق العدالة الاجتماعية ولا العدالة الترابية.





