حزب الاستقلال.. اتهام “الفراقشية” أسهل من تفعيل لجنة تقصي الحقائق

حسين العياشي

خبر_في كل مرة تشتد فيها أزمة تمس القدرة الشرائية للمغاربة، يبرز حزب الاستقلال بخطاب يبدو أقرب إلى موقع المعارض منه إلى موقع الشريك في السلطة. يحدث ذلك في ملف المحروقات، ويحدث اليوم في ملف ندرة أضاحي العيد وارتفاع أسعارها، لكن ما يثير الانتباه ليس مضمون الانتقادات في حد ذاتها، بل المسافة الفاصلة بين الخطاب والفعل.

فبعد الجدل الذي أثارته تصريحات الأمين العام للحزب، نزار بركة، بشأن الأرباح المحققة في سوق المحروقات وتأثيرها على جيوب المغاربة، عاد الفريق الاستقلالي بمجلس النواب ليصعد لهجته مجددا، وهذه المرة عبر النائب محمد الركاني الذي طالب الحكومة بتوضيح المسؤوليات السياسية والقانونية المرتبطة بما وصفه بـ”فضيحة ندرة أضاحي العيد لسنة 2026″، متحدثا عن اختلالات أفضت إلى خلو أسواق من الأضاحي وارتفاع غير مسبوق في الأسعار، رغم معطيات رسمية كانت توحي بأن الأمور تحت السيطرة.

غير أن السؤال الذي يفرض نفسه هنا لا يتعلق فقط بما إذا كانت الحكومة مطالبة بتقديم الأجوبة، بل أيضا بما إذا كان حزب الاستقلال مستعدا للانتقال من خطاب المساءلة إلى أدواتها الدستورية الفعلية والتي يمكن أن تثير المسؤوليتين السياسية والقضائية.

ذلك أن البرلمان لا يفتقر إلى الآليات التي تمكنه من كشف حقيقة ما جرى. فالفصل 67 من الدستور يتيح إحداث لجان لتقصي الحقائق بشأن وقائع معينة أو حول تدبير المرافق والمؤسسات العمومية، وهي من أقوى آليات الرقابة البرلمانية وأكثرها قدرة على الوصول إلى المعطيات والوثائق والاستماع إلى مختلف المتدخلين. وإذا كان الحزب مقتنعا بوجود اختلالات خطيرة تستوجب ترتيب المسؤوليات، فإن المنطق السياسي والمؤسساتي يقود مباشرة إلى المطالبة بتفعيل هذه الآلية، لا الاكتفاء بتوجيه الأسئلة وإصدار المواقف.

هنا بالضبط تظهر المفارقة. فالحزب يتحدث بلغة توحي بوجود أزمة عميقة، لكنه لا يذهب بعيدا في استعمال الوسائل الدستورية التي يتيحها موقعه داخل البرلمان. ينتقد نتائج السياسات العمومية، لكنه يظل جزءا من الأغلبية التي تتولى تدبيرها. يطالب بالمحاسبة، لكنه لا يدفع في اتجاه أقوى أدوات التقصي البرلماني القادرة على تحديد المسؤوليات وكشف مكامن الخلل.

ولعل ما يزيد هذه المفارقة وضوحا أن ملف الأضاحي لا يتعلق بواقعة مفاجئة أو حادث عابر. فالنائب محمد الركاني نفسه استحضر تقرير مجلس المنافسة الصادر نهاية سنة 2025، والذي نبه إلى وجود اختلالات هيكلية في سلاسل التوزيع. وإذا كانت التحذيرات موجودة منذ ذلك الوقت، وإذا كانت المؤشرات متاحة للفاعلين الحكوميين والبرلمانيين، فإن النقاش يتجاوز اليوم البحث عن المذنبين بعد وقوع الأزمة إلى مساءلة فعالية التدخلات التي كان يفترض أن تمنع الوصول إليها أصلا.

المغاربة الذين وجدوا أنفسهم أمام أسعار ملتهبة وندرة أربكت استعداداتهم للعيد لا ينتظرون توصيفا جديدا للأزمة، ولا خطابات أكثر حدة في توصيف حجمها. ما ينتظرونه هو معرفة ما إذا كانت الأحزاب التي تتحدث باسمهم مستعدة للذهاب إلى نهاية مواقفها، وتحويل اتهاماتها السياسية إلى مبادرات رقابية ملموسة.

أما أن يستمر خطاب الاعتراض من داخل الأغلبية دون أن يترجم إلى خطوات مؤسساتية بحجم الاتهامات المرفوعة، فذلك ما يجعل المشهد يبدو وكأنه إعادة إنتاج للمفارقة نفسها: معارضة في اللغة، وأغلبية في الممارسة؛ وغضب في التصريحات، وصمت عندما يحين وقت تفعيل الأدوات الدستورية القادرة على كشف الحقيقة كاملة.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى