سؤال الهوية في المغرب بين التعدد وإعادة بناء المشروع الديمقراطي

فاطمة الزهراء ايت ناصر
في السنوات الأخيرة، عاد النقاش حول العلاقة بين الهوية والديمقراطية في المغرب إلى الواجهة بقوة، في ظل تحولات اجتماعية وسياسية وثقافية متسارعة، أعادت طرح أسئلة قديمة بصيغة جديدة.
فمسألة التعدد اللغوي والثقافي، وخاصة موقع الأمازيغية داخل المشروع الوطني، لم تعد مجرد ملف ثقافي أو لغوي، بل تحولت إلى جزء من نقاش أوسع حول شكل الدولة، ونموذج التنمية، وحدود العدالة الاجتماعية.
في هذا السياق، تتزايد الدعوات إلى إعادة التفكير في أسس التعاقد السياسي والثقافي داخل المجتمع المغربي، بما يسمح ببناء صيغة أكثر شمولا للهوية الوطنية، تستوعب مختلف الروافد دون إقصاء أو هيمنة، فبدل منطق التمركز الثقافي أو الاختزال الهوياتي، يبرز طرح يقوم على اعتبار التنوع رافعة للديمقراطية، لا مصدر تهديد لها.
ويرى مراقبون أن هذا النقاش لا ينفصل عن السياق السياسي العام، حيث تتقاطع الأسئلة المرتبطة بالحكامة والعدالة المجالية والفوارق الاجتماعية مع مطالب أوسع تتعلق بالاعتراف والمساواة وتكافؤ الفرص.
لذلك، فإن أي مقاربة لمستقبل الهوية الوطنية باتت مرتبطة بشكل مباشر بمستقبل الديمقراطية نفسها، وبقدرة الدولة على استيعاب التعدد داخل إطار مؤسساتي عادل ومتوازن.
وفي هذا الإطار، سبق لـ“تيار اليسار الجديد المتجدد” أن أصدر بلاغا في تاريخ 30 ماي الماضي، موجها إلى الحركة الأمازيغية الديمقراطية، دعا فيه إلى بناء اصطفاف ديمقراطي جديد بين قوى اليسار والتيارات المدافعة عن التعدد الثقافي، معتبرا أن القضية الأمازيغية ليست مطلبا ثقافيا معزولا، بل جزء من معركة أشمل تتعلق بالديمقراطية والعدالة الاجتماعية وبناء دولة المواطنة.
وقد شدد ذلك البلاغ على ضرورة تجاوز التوترات الإيديولوجية التقليدية، وبناء أرضية مشتركة قوامها الاعتراف بالتعدد اللغوي والثقافي، وتفعيل الطابع الرسمي للأمازيغية، إلى جانب تعزيز العدالة الاجتماعية والمجالية ومحاربة الفوارق والفساد. كما دعا إلى تشكيل جبهة ديمقراطية تقدمية قادرة على مواجهة السلطوية ومختلف أشكال الإقصاء.
ورغم أن ذلك البلاغ يعود إلى سياق سابق، إلا أن دلالاته لا تزال حاضرة في النقاش العمومي، خاصة مع استمرار نفس الإشكالات المرتبطة بالهوية والتنمية والديمقراطية.
فالمطالب التي طرحها، سواء المتعلقة بالاعتراف أو بالمساواة أو بإعادة بناء المشروع الوطني على أسس تعددية، ما تزال تطرح نفسها بإلحاح داخل المشهد السياسي والفكري المغربي.
وعليه، فإن النقاش اليوم لم يعد يتعلق فقط بموقع الأمازيغية أو باقي المكونات الثقافية، بل بكيفية بناء نموذج ديمقراطي قادر على استيعاب هذا التنوع وتحويله إلى عنصر قوة.
ويرى المتهمون بهذا الشأن أن المستقبل، كما يظهر من تطور هذا الجدل، يرتبط بمدى القدرة على الانتقال من منطق التدبير التقليدي للهوية إلى منطق التعاقد الديمقراطي القائم على الاعتراف والمواطنة الكاملة.





