إلى أي حد تسهم المنظومة الانتخابية الجديدة في تعزيز مشاركة الشباب في الحياة السياسية؟ (حوار)

فاطمة الزهراء ايت ناصر

في سياق النقاش المتجدد حول إصلاح المنظومة الانتخابية بالمغرب، يبرز ملف مشاركة الشباب كأحد أبرز العناوين التي تستأثر باهتمام الفاعلين السياسيين والباحثين على حد سواء.

فبين الخطاب الرسمي الداعي إلى توسيع قاعدة المشاركة وتجديد النخب، وبين المقتضيات القانونية والتنظيمية التي تؤطر العملية الانتخابية، تتقاطع رؤى متعددة حول مدى قدرة هذه الإصلاحات على فتح المجال فعليا أمام الأجيال الشابة للانخراط في العمل السياسي، سواء عبر الأحزاب أو من خلال الترشح المستقل.

وفي هذا الإطار، جاءت التعديلات الأخيرة على مدونة الانتخابات لتعيد طرح سؤال الجدوى من بعض الشروط والمعايير المعتمدة، خاصة تلك المرتبطة بالترشح والدعم العمومي والعتبة الانتخابية.

من أجل مناقشة هذا الموضوع، أجرينا حوارا مع أمين السعيد، أستاذ القانون الدستوري والعلوم السياسية بجامعة سيدي محمد بن عبد الله بفاس، يسلط الضوء على أبرز مستجدات مدونة الانتخابات.

إليكم نص الحوار: 

كيف تقيمون الإصلاحات التي عرفتها المنظومة الانتخابية لسنة 2026؟

يتضح بشكل جلي أن المنظومة الانتخابية لسنة 2026 عرفت العديد من الإصلاحات الجوهرية التي تهدف إلى تخليق الحياة السياسية، ويمكن الإشارة، في هذا السياق، إلى التعديل المهيكل المتعلق بحالات التنافي من خلال تدقيق شروط الترشح لانتخابات أعضاء مجلس النواب، ورقمنة العملية الانتخابية، وإعادة النظر في شروط تأسيس الأحزاب السياسية، ومضاعفة العقوبات من أجل تحصين شفافية العملية الانتخابية، وتشجيع النساء على المشاركة السياسية والانتخابية، إلى جانب إصلاحات أخرى ذات أهمية بالغة.

غير أن النقاش المرتبط بهذه الإصلاحات أعاد إلى الواجهة إشكالية تمثيلية الشباب داخل المؤسسات المنتخبة، خاصة في ظل استمرار ظاهرة العزوف الانتخابي في صفوف فئات واسعة من الشباب، وضعف انخراطهم داخل الأحزاب السياسية، حيث إن نسبة قليلة جدا فقط تنتمي إلى التنظيمات الحزبية، ومع ذلك لا تتاح لها الفرصة الكافية للتعبير عن تصوراتها أو التموقع داخل الدوائر الانتخابية المحلية، بسبب الإكراهات التي تعرفها الأحزاب السياسية من جهة، وتعقد هندسة الدوائر الانتخابية المحلية من جهة أخرى، وهي دوائر يصعب في ظلها بروز الشباب ومنافستهم لكائنات انتخابية محترفة تمتلك خبرة طويلة في تدبير سوسيولوجية العملية الانتخابية.

وكل ذلك لا يسمح بضمان الحد الأدنى من التوازن فيما يتعلق بتمثيلية الشباب داخل البرلمان، قياسا بنسبة حضورهم داخل الهرم الديمغرافي المغربي، وهو ما يطرح إشكالية الشرعية والتمثيلية، ما دام البرلمان يفترض أن يكون مرآة للمجتمع ويعكس مختلف فئاته.

لذلك، فإن ضعف تمثيلية الشباب داخل المؤسسات التمثيلية، وخاصة البرلمان، دفع فئات واسعة منهم إلى التفاعل مع السياسة من خلال مسالك ووسائل أخرى غير المسالك المؤسساتية والقانونية، وهو ما يفسر الدينامية الاحتجاجية التي تجسدت في احتجاجات “جيل زيد”، باعتبارها تعبيرا عن رفض الشباب للنموذج السياسي التقليدي، كما تكشف وسائل التواصل الاجتماعي بدورها حجم السخط واليأس لدى فئات شبابية واسعة، وفقدانها المتزايد للثقة في المشهد السياسي والحزبي.

ما هي أبرز المستجدات التي حملها بيان المجلس الوزاري في هذا السياق؟

ومن هذا المنطلق، جاء بيان المجلس الوزاري ليقدم رؤية إصلاحية متقدمة تستند إلى التجارب الدولية الرائدة، وتهدف إلى البحث عن صيغ جديدة ومتطورة لإشراك الشباب في تدبير الشأن العام، سواء عن طريق الدعم المالي للترشح في الانتخابات، أو من خلال إتاحة هامش أوسع للاختيار في المظلة السياسية التي يتقدمون باسمها.

غير أن الأحزاب السياسية، على ما يبدو، لم تستوعب بعد هذه التحولات المرتبطة بعلاقة الشباب بالسياسة، وبنزوعهم نحو التجديد ورفضهم للنمط التقليدي للعمل الحزبي.

وبخلاف ما كان منتظرا، أدخلت تعديلات تعجيزية تكاد تفرغ الرؤية الإصلاحية الملكية من مضمونها، من خلال القيود المفروضة على ترشيح الشباب المستقل، حيث شدد القانون التنظيمي لمجلس النواب في الشروط المفروضة على المترشحين غير المنتمين للأحزاب السياسية ـــ ( بحيث لا يجب أن يتجاوز عمر كل مترشح ضمن اللائحة 35 سنة في تاريخ الاقتراع) ــ بدعوى ضمان الجدية.

ومن بين هذه الشروط، إلزام الشباب المستقل بالكشف عن مصادر تمويل حملاتهم الانتخابية مدعمة بوثائق بنكية، وتقديم لائحة تتضمن 200 توقيع من ناخبي الدائرة الانتخابية، مع مراعاة نسبة من التوقيعات النسائية محددة في 30% بالنسبة للدائرة المحلية، إضافة إلى تقديم برنامج انتخابي مطبوع يتسم بالجدية والقابلية للتطبيق.

كما اشترط القانون احترام مبدأ التناوب بين الجنسين داخل لائحة الترشيح، بما يعني أن تتضمن اللائحة مترشحين مرتبين بالتناوب بين الرجال والنساء.

ولا تقف القيود عند هذا الحد، إذ إن الشاب لا يتوصل بالدعم المالي إلا بعد انتهاء الحملة الانتخابية وإعلان النتائج، وبعد تقديم حساب الحملة الانتخابية أمام المجلس الجهوي للحسابات، وهو ما يطرح سؤال الجدوى من هذا الدعم إذا كان يمنح بشكل بعدي، أي بعد انتهاء العملية الانتخابية.

كما أن طبيعة هذا الدعم تثير بدورها عدة ملاحظات، إذ يحصل المترشح على دعم يقدر بـ75% من المصاريف التي تم إنفاقها وإثباتها فعليا، بمعنى أنه إذا صرفت اللائحة عشرة آلاف درهم فإنها تستفيد من استرجاع 75% من هذا المبلغ، شريطة ألا يتجاوز سقف الحملة الانتخابية المحدد لكل مترشح ومترشحة مبلغ 600.000 درهم.

وفي المنحى نفسه، اشترط القانون التنظيمي ضرورة حصول الشاب على عتبة الأصوات، بما يعني أن تحصل اللائحة المحلية على نسبة 2% على الأقل من عدد المسجلين في الدائرة الانتخابية المعنية، وهو شرط يبدو تعجيزيا، خاصة في الدوائر الانتخابية الكبرى التي تضم خمس أو ست مقاعد وتتميز باتساع الهيئة الناخبة وتعقد المنافسة الانتخابية فيها.

وهناك أيضا مسألة أخرى ظلت مغيبة ولم تحظ بالنقاش العمومي الكافي، وتتعلق بعدم تعديل مقتضيات الضمانة المالية، حيث ما يزال المشرع يشترط أداء ضمانة مالية تقدر بخمسة آلاف درهم لدى قابض المالية مقابل وصل، ولا يتم إرجاع هذا الضمان إلا إذا حصلت اللائحة على نسبة 5% من الأصوات المعبر عنها، وهو شرط آخر لا يساعد على تشجيع الشباب على الترشح.

أما فيما يتعلق بالشباب الذين يترشحون باسم حزب سياسي، فإن القانون يمنح للأحزاب مبلغا ماليا يعادل ست مرات المبلغ الجزافي عن كل دائرة انتخابية محلية زكى فيها الحزب مترشحة أو مترشحا لا يتجاوز عمره 35 سنة، مع احترام نسبة 2% من العتبة الانتخابية، وهو ما يعكس استمرار منطق التمييز بين الشباب الحزبي والشباب المستقل.

ما هي أبرز المقترحات لتجاوز هذه الإشكالات؟

وبناء عليه، يتعين التفكير في صيغ جديدة ومرنة لتشجيع المشاركة السياسية للشباب، من بينها إعادة النظر في مبلغ الضمانة المالية أو حذفها بالنسبة للشباب، ومنح دعم مالي مرحلي، بحيث يتم تقديم دعم أولي لحظة إيداع الترشيح، ودعم ثان عند انطلاق الحملة الانتخابية، ودعم ثالث قبل يوم الاقتراع، على أن يلتزم المترشح بإثبات مختلف المصاريف تحت طائلة العقوبات الجنائية المتعلقة باختلاس المال العام.

كما يتعين التفكير في إمكانية إلغاء شرط العتبة مقابل الإبقاء على شرط التوقيعات، باعتباره أكثر قدرة على تحقيق الجدية دون إفراغ الحق في الترشح من مضمونه الديمقراطي، خاصة وأن الرهان الحقيقي لا ينبغي أن ينحصر في ضبط العملية الانتخابية فقط، وإنما في توسيع قاعدة المشاركة السياسية وإعادة بناء الثقة بين الشباب والمؤسسات التمثيلية.

تشجيع الشباب المستقل من شأنه أن يخفف ظاهرة العزوف الانتخابي، وسينعكس بشكل إيجابي على المشهد الحزبي الذي يعاني من رتابة وفتور، فمن مصلحة الأحزاب السياسية أن يتواجد تيار المستقلين الذي يتغدى من خطاب المقاطعة وعدم الثقة في المؤسسات، بالتالي فالتجديد السياسي ينطلق من توسيع العرض السياسي، وذلك بتشجيع وتحفيز التيارات الشبابية المستقلة.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى