اليماني: مقاطعة الانتخابات تخدم “الفراقشية” وتُبقي موازين القوى على حالها

حسين العياشي
قبل أشهر قليلة من موعد الانتخابات التشريعية المقررة في 23 شتنبر 2026، عاد النقاش حول المشاركة السياسية إلى الواجهة من جديد، لكن هذه المرة من بوابة أرقام تثير أكثر من سؤال حول علاقة فئات واسعة من المغاربة بالعملية الانتخابية، وحول مدى شعورها بأن صناديق الاقتراع ما تزال قادرة على إحداث الفرق.
وفي هذا السياق، دعا الحسين اليماني، عضو المجلس الوطني لحزب فدرالية اليسار الديمقراطي ومرشح تحالف اليسار بدائرة المحمدية، إلى تعبئة واسعة من أجل المشاركة في الانتخابات المقبلة، معتبرا أن الرهان لم يعد يتعلق فقط باختيار ممثلين جدد، بل بمحاولة إعادة التوازن إلى المشهد السياسي وقلب موازين القوى عبر مشاركة الفئات الأكثر تضررا من السياسات العمومية.
وتكشف المعطيات الرسمية الخاصة باللوائح الانتخابية العامة، المحصورة إلى غاية 31 مارس 2026، أن عدد المسجلين لا يتجاوز قليلا 16 مليون ناخب من أصل نحو 26 مليون مغربي بلغوا السن القانونية للتصويت، أي بنسبة تقارب 62 في المائة فقط. غير أن ما يلفت الانتباه، وفق قراءة اليماني، ليس حجم التسجيل فحسب، بل طبيعة الفئات الغائبة أو ضعيفة التمثيل داخل الهيئة الناخبة.
فبحسب الأرقام ذاتها، لا تمثل النساء سوى 46 في المائة من مجموع المسجلين، فيما لا تتجاوز نسبة القاطنين بالعالم القروي 45 في المائة، بينما يشكل المواطنون الذين تقل أعمارهم عن 44 سنة حوالي 39 في المائة فقط من الهيئة الناخبة. وهي مؤشرات يرى فيها المتحدث دليلاً على عزوف أو إقصاء غير مباشر للفئات التي تعاني أكثر من غيرها من تبعات الأوضاع الاجتماعية والاقتصادية الصعبة.
ويربط اليماني هذه الصورة بما يعتبره اختلالا بنيويا في توزيع الثروة داخل البلاد. فالمغرب، بحسب تقديره، لا يعاني من ندرة الموارد بقدر ما يعاني من سوء توزيعها بين المواطنين، وهو ما ينعكس في اتساع الفوارق الاجتماعية والمجالية وبين الجنسين، ويؤدي تدريجيا إلى ارتفاع منسوب التوتر والاحتقان داخل المجتمع.
ومن هذا المنطلق، اعتبر أن الانتخابات المقبلة تكتسي أهمية خاصة في ظل ما وصفه بفشل الحكومات المتعاقبة في تنزيل الروح الديمقراطية والحقوقية التي جاء بها دستور 2011، والذي كان ثمرة سياق سياسي واجتماعي طبعته مطالب الإصلاح التي رفعتها حركة 20 فبراير، وفي مقدمتها مكافحة الفساد وترسيخ الحرية والكرامة والعدالة الاجتماعية.
ولتحقيق مشاركة أوسع وأكثر تأثيرا، دعا اليماني إلى تكثيف جهود التسجيل في اللوائح الانتخابية قبل انتهاء الآجال القانونية المحددة في 13 يونيو، مع التركيز على الشباب والنساء وسكان القرى باعتبارهم الأكثر تأثرا بالسياسات العمومية الحالية. كما طالب بتبسيط مساطر التسجيل وإزالة العراقيل التي تواجه المواطنين سواء عبر المنصات الرقمية أو عبر المساطر الإدارية التقليدية، وصولا إلى اعتماد التصويت بواسطة البطاقة الوطنية، على غرار ما هو معمول به في عدد من الديمقراطيات.
كما شدد على ضرورة التصدي بحزم لكل الممارسات التي تمس نزاهة الانتخابات أو تؤثر على حرية الناخبين في التعبير عن اختياراتهم، معتبرا أن ضمان انتخابات نزيهة يشكل شرطا أساسيا لاستعادة الثقة في المؤسسات المنتخبة.
وفي مقابل الأصوات الداعية إلى المقاطعة، يرى اليماني أن العزوف الانتخابي لا يؤدي عمليا سوى إلى إعادة إنتاج التوازنات نفسها، ويفسح المجال أمام شبكات النفوذ الانتخابي لمواصلة التحكم في المشهد السياسي. لذلك يوجه نداءً إلى الفئات الأكثر تضررا من الأوضاع الاقتصادية والاجتماعية للمشاركة بكثافة ووعي، باعتبار أن التغيير، مهما كانت حدوده، يمر عبر الانخراط في العملية الديمقراطية وليس عبر الانسحاب منها.
وبين الدعوة إلى المقاطعة والدعوة إلى المشاركة، يظل السؤال المطروح مع اقتراب الاستحقاقات المقبلة هو ما إذا كانت الفئات التي ظلت لسنوات على هامش اللعبة الانتخابية ستقرر هذه المرة دخولها بقوة، أم أن فجوة الثقة بين المواطن والسياسة ستواصل الاتساع رغم كل الدعوات إلى التغيير.




