خبير تربوي يدعو إلى الانتقال من منطق مراقبة الغش إلى منطق التربية على القيم

أميمة حدري
خبر_ سجلت وزارة التربية الوطنية والتعليم الأولي والرياضة ضبط 4126 حالة غش خلال الامتحان الوطني الموحد لنيل شهادة البكالوريا برسم دورة يونيو الجاري، بزيادة بلغت 49 في المائة مقارنة بدورة 2025، وهي معطيات اعتبرتها الوزارة مؤشرا على نجاعة الإجراءات المعتمدة لتعزيز آليات المراقبة والرصد داخل مراكز الامتحان.
وأوضحت الوزارة أن هذا الارتفاع يعزى إلى تشديد عمليات الحراسة وتوسيع اعتماد النظام الإلكتروني المخصص لرصد حالات الغش، مؤكدة مواصلة تفعيل التدابير القانونية والتنظيمية والإدارية الهادفة إلى حماية مصداقية شهادة البكالوريا وضمان تكافؤ الفرص بين جميع المترشحين.
وفي ظل هذا الارتفاع الملحوظ في عدد حالات الغش المضبوطة، إلى أي حد يمكن اعتبار المقاربة المعتمدة حاليا كافية لضبط الظاهرة، أم أن الأمر يستدعي إعادة النظر في منظومة التقويم والتقييم نفسها؟
وفي هذا السياق، يرى محمد سالم بايشى، المفتش التربوي السابق والمهتم بقضايا التربية والتكوين، أن لجوء وزارة التربية الوطنية إلى اعتماد أجهزة وتقنيات جديدة لرصد حالات الغش خلال الامتحانات الإشهادية يأتي في سياق تنامي هذه الظاهرة وتطور الوسائل المستعملة فيها، مبرزا أن ضمان تكافؤ الفرص بين المترشحين يفرض تعزيز آليات المراقبة والزجر داخل مراكز الامتحان.
وأوضح بايشى، في تصريح لـ”إعلام تيفي“، أن معالجة إشكالية الغش لا يمكن أن تظل رهينة بالحلول التقنية وحدها، معتبرا أن المقاربة الأكثر نجاعة تقتضي الجمع بين المراقبة والتأطير التربوي وترسيخ القيم المرتبطة بالنزاهة والاستحقاق والاعتماد على الجهد الذاتي، وذلك منذ المراحل الأولى من التمدرس.
وسجل المتحدث أن تطوير أنظمة التقويم يشكل بدوره مدخلا أساسيا للحد من الظاهرة، داعيا إلى تجاوز النماذج التي تركز على استرجاع المعلومات نحو صيغ تقييم تراعي مختلف أبعاد شخصية المتعلم، بما فيها الجوانب المعرفية والوجدانية والمهارية، بما من شأنه تعزيز الثقة في القدرات الذاتية للمتعلمين والحد من الإقبال على وسائل الغش.
وفي ما يتعلق بالأجهزة المعتمدة خلال الموسم الدراسي الحالي، أفاد الخبير التربوي بأن هذه التجربة تمت في إطار شراكة مع جامعة محمد السادس متعددة التخصصات التقنية ببنجرير، بعد إخضاعها للتجريب خلال الدورة الاستدراكية لامتحانات البكالوريا في الموسم الماضي، مشيرا إلى أن المعطيات المتداولة بشأن الامتحانات الجهوية الأخيرة أظهرت وجود مؤشرات على نجاح هذه الوسائل في عدد من الحالات، مقابل تسجيل ملاحظات وصعوبات أثارها بعض الأطر التربوية المكلفة بالحراسة.
واعتبر أن من حق الإدارة التربوية اتخاذ مختلف التدابير الكفيلة بضمان نزاهة الامتحانات والتصدي لمحاولات الغش، غير أن ذلك ينبغي أن يتم بالتوازي مع احترام حق المترشحين في اجتياز اختباراتهم في ظروف تتسم بالهدوء والطمأنينة وتوفر المناخ الملائم للتركيز، مبرزا أن قاعات الامتحان يجب أن تظل فضاءات تربوية بعيدة عن كل ما من شأنه التأثير على السير العادي للاختبارات.
وأشار إلى أن بعض الإشكالات المرتبطة بتجريب الوسائل الجديدة قد تثير لدى بعض المترشحين إحساسا بعدم الارتياح أو بوجود مساس بخصوصيتهم، داعيا إلى التفكير في صيغ تنظيمية بديلة تقوم على إجراء عمليات المراقبة والفحص عند مداخل المؤسسات التعليمية قبل الولوج إلى قاعات الامتحان، بما يضمن الحفاظ على انسيابية الاختبارات داخل الحجرات.
وخلص بايشى إلى أن التطور المتسارع لوسائل الغش يجعل الاكتفاء بالحلول التقنية أمرا غير كاف، مبرزا أن الأطراف التي تلجأ إلى الغش تعمل بدورها على استغلال أحدث التقنيات المتاحة. مؤكدا أن الرهان الأساسي يظل مرتبطاً ببناء ثقافة مدرسية قائمة على قيم النزاهة والاستحقاق، وترسيخ قناعة لدى المتعلمين بأن النجاح الحقيقي يقوم على الكفاءة والجهد الشخصي وليس على الاستفادة من وسائل غير مشروعة.





